قوله : " الذين " في موضع رفع على الابتداء ، وخبره " من بعد ما أصابهم القرح " . ويجوز أن يكون في موضع خفض ، بدل{[3698]} من المؤمنين ، أو من " الذين لم يلحقوا " . " استجابوا " بمعنى أجابوا والسين والتاء زائدتان . ومنه قوله :
فلم يستجِبْه عند ذاك مجيب{[3699]}
وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائشة رضي الله عنها : كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . لفظ مسلم . وعنه عائشة : يا ابن أختي كان أبواك - تعني الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . وقالت : لما انصرف المشركون من أحد ، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال : ( من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة ) قال : فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين ، فخرجوا في آثار القوم ، فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضل . وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد ، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة ، وذلك أنه لما كان في يوم الأحد ، وهو الثاني من يوم أحد ، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بإتباع المشركين ، وقال : ( لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس ) فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين . في البخاري فقال : ( من يذهب في إثرهم ) فانتدب منهم سبعون رجلا . قال : كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدم ، حتى بلغ حمراء الأسد ، مرهبا للعدو ؛ فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا ، فربما يحمل على الأعناق ، وكل ذلك امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في الجهاد . وقيل : إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين بالجراح ، يتوكأ أحدهما على صاحبه ، وخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وصلوا حمراء الأسد ، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم ، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا{[3700]} إلى المدينة فيستأصلوا أهلها ، فقالوا ما أخبرنا الله عنهم : " حسبنا الله ونعم الوكيل " . وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وعَيْبَةَ{[3701]} نُصْحِه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما هم عليه ، ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوف ذلك ، وخالصُ نصحه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أن خوف قريشا بأن قال لهم : قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم ، قد اجتمع له من كان تخلف عنه ، وهم قد تحرقوا عليكم ، فالنجاء النجاء ! فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من الشعر . قال : وما قلت ؟ قال : قلت :
كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي *** إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل{[3702]}
تُرْدِي بأُسد كرام لا تنابلةٍ *** عند اللقاء ولا ميلٍ مَعازيل{[3703]}
فَظَلْتُ عدواً أظنُّ الأرضَ مائلةً *** لما سَمَوا برئيس غيرِ مخذول
فقلت ويلَ ابن حربٍ من لقائكم *** إذا تَغَطْمَطَتِ البطحاء بالخيل{[3704]}
إني نذير لأهل البَسْلِ ضاحيةً *** لكل ذي إِرْبَةٍ منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخشٌ قَنَابِلُه *** وليس يُوصَفُ ما أنذرتُ بالقِيلِ{[3705]}
قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين ، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصورا ؛ كما قال الله تعالى : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " [ آل عمران : 174 ] أي قتال ورعب . واستأذن جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له . وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنها غزوة ) . هذا تفسير الجمهور لهذه الآية . وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى فقالا : إن هذه الآية من قوله : " الذين قال لهم الناس " إلى قوله : " عظيم " [ آل عمران : 173 - 174 ] إنما نزلت في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى . وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد ، إذ قال : موعدنا بدر من العام المقبل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قولوا نعم ) فخرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر ، وكان بها سوق عظيم ، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه دراهم ، وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها ، فأشفق المسلمون من ذلك ، لكنهم قالوا : " حسبنا الله ونعم الوكيل " فصمموا{[3706]} حتى أتوا بدرا فلم يجدوا أحدا ، ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدما وتجارة ، وانقلبوا ولم يلقوا كيدا ، وربحوا في تجارتهم ؛ فلذلك قوله تعالى : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل " أي وفضل في تلك التجارات . والله أعلم .
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة ، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم{[19775]} ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان{[19776]} ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم{[19777]} إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : { الذين استجابوا } أي أوجدوا{[19778]} الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان { لله والرسول } أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان - : { من بعد ما أصابهم القرح } .
ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف{[19779]} حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : { للذين أحسنوا{[19780]} } وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : { منهم واتقوا أجر عظيم * } وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو {[19781]}غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي ، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد ، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم و{[19782]}أن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فليس كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد{[19783]} أن يرهبهم{[19784]} وأن{[19785]} يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد{[19786]} من يوم أُحد{[19787]} - بطلب العدو ، وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في{[19788]} أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك{[19789]} في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف{[19790]} منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم{[19791]} يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه{[19792]} رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة{[19793]} ذكرها في التخلف عن أحد محمودة{[19794]} .
قال الواقدي : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، ويقال : إلى{[19795]} أبي بكر رضي الله عنه ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج{[19796]} وهو مجروح{[19797]} ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت{[19798]} ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن{[19799]} منكبه الأيمن بضربة{[19800]} ابن قميئة ، وركبتاه{[19801]} مجحوشتان بأبي هو{[19802]} وأمي ووجهي وعيني ! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى{[19803]} يسير ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك ! قال : قلت : قريب ، قال{[19804]} : فأخرج{[19805]} ، أعدو فألبس{[19806]} درعي {[19807]}ولأنا أهم{[19808]} بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال : " أين ترى القوم الآن ؟ قال : هم بالسيالة{[19809]} ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19810]} : {[19811]}ذلك الذي ظننت ! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا ! " ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد{[19812]} بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء ، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين{[19813]} وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم {[19814]}في النهار{[19815]} {[19816]}بجمع الحطب{[19817]} ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل ناراً ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى{[19818]} من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهذا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين{[19819]} بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل{[19820]} جريح ، بل كلهم{[19821]} - رضي الله عنهم ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير{[19822]} رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعاً وطاعة لله ولرسوله ! {[19823]}فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء{[19824]} جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير ، فلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال : هذا منادي{[19825]} رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم ! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً ، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً ، وبقطبة{[19826]} بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا{[19827]} النبي صلى الله عليه وسلم ببئر{[19828]} أبي عتبة{[19829]} إلى رأس الثنية{[19830]} عليهم السلاح ، قد صفوا{[19831]} لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال :
" اللهم ارحم بني سلمة ! " وحدث{[19832]} ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما{[19833]} جراح كثيرة{[19834]} ، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه : والله{[19835]} إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَبنا{[19836]} والله ما عندنا دابة نركبها{[19837]} وما ندري كيف نصنع{[19838]} ! قال عبد الله : انطلق بنا ، قال رافع : لا والله {[19839]}ما بي مشي{[19840]} ! قال أخوه : انطلق بنا{[19841]} نتجارّ{[19842]} ، فخرجا يزحفان{[19843]} فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران ، فأتى{[19844]} بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد {[19845]}بن بشر فقال{[19846]} : " ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلتهما ، فدعا لهما بخير {[19847]}وقال : إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال{[19848]} وإبل ، وليس ذلك بخير لكم " وأما غزوة بدر الموعد{[19849]} فروى الواقدي - و{[19850]}من طريقه{[19851]} الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم ، وكانت الخيل عشرة قال{[19852]} الواقدي : وأقبل رجل من بني ضمرة يقال له مخشى{[19853]}بن عمرو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19854]} أكثر أهل الموسم : يا محمد ! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد{[19855]} ، فما أعلمكم إلا أهل الموسم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ليرفع ذلك إلى عدوه : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا ، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح{[19856]} من منزلنا هذا ، فقال الضمري : بل نكف{[19857]} أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك{[19858]} " .
قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاحشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) كان ذلك يوم حمراء الأسد . وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم . فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لم يتمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة . فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه . فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم{[639]} .
قوله : ( الذين استجابوا ) في إعراب ( الذين ) ثلاثة وجوه ، الأول : في موضع جر نعت للمؤمنين . الثاني : في موضع جر يدل من المؤمنين . الثالث : في محل رفع مبتدأ . وخبر ( للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) .