نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ} (172)

ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة ، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم{[19775]} ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان{[19776]} ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم{[19777]} إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : { الذين استجابوا } أي أوجدوا{[19778]} الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان { لله والرسول } أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان - : { من بعد ما أصابهم القرح } .

ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف{[19779]} حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : { للذين أحسنوا{[19780]} } وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : { منهم واتقوا أجر عظيم * } وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو {[19781]}غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي ، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري : إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد ، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم و{[19782]}أن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فليس كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد{[19783]} أن يرهبهم{[19784]} وأن{[19785]} يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد{[19786]} من يوم أُحد{[19787]} - بطلب العدو ، وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في{[19788]} أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك{[19789]} في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف{[19790]} منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم{[19791]} يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه{[19792]} رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة{[19793]} ذكرها في التخلف عن أحد محمودة{[19794]} .

قال الواقدي : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، ويقال : إلى{[19795]} أبي بكر رضي الله عنه ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج{[19796]} وهو مجروح{[19797]} ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت{[19798]} ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن{[19799]} منكبه الأيمن بضربة{[19800]} ابن قميئة ، وركبتاه{[19801]} مجحوشتان بأبي هو{[19802]} وأمي ووجهي وعيني ! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى{[19803]} يسير ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك ! قال : قلت : قريب ، قال{[19804]} : فأخرج{[19805]} ، أعدو فألبس{[19806]} درعي {[19807]}ولأنا أهم{[19808]} بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال : " أين ترى القوم الآن ؟ قال : هم بالسيالة{[19809]} ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19810]} : {[19811]}ذلك الذي ظننت ! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا ! " ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد{[19812]} بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء ، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين{[19813]} وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم {[19814]}في النهار{[19815]} {[19816]}بجمع الحطب{[19817]} ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل ناراً ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى{[19818]} من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهذا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين{[19819]} بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل{[19820]} جريح ، بل كلهم{[19821]} - رضي الله عنهم ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير{[19822]} رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعاً وطاعة لله ولرسوله ! {[19823]}فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء{[19824]} جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛

وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير ، فلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال : هذا منادي{[19825]} رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم ! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً ، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً ، وبقطبة{[19826]} بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا{[19827]} النبي صلى الله عليه وسلم ببئر{[19828]} أبي عتبة{[19829]} إلى رأس الثنية{[19830]} عليهم السلاح ، قد صفوا{[19831]} لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال :

" اللهم ارحم بني سلمة ! " وحدث{[19832]} ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما{[19833]} جراح كثيرة{[19834]} ، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه : والله{[19835]} إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَبنا{[19836]} والله ما عندنا دابة نركبها{[19837]} وما ندري كيف نصنع{[19838]} ! قال عبد الله : انطلق بنا ، قال رافع : لا والله {[19839]}ما بي مشي{[19840]} ! قال أخوه : انطلق بنا{[19841]} نتجارّ{[19842]} ، فخرجا يزحفان{[19843]} فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران ، فأتى{[19844]} بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد {[19845]}بن بشر فقال{[19846]} : " ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلتهما ، فدعا لهما بخير {[19847]}وقال : إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال{[19848]} وإبل ، وليس ذلك بخير لكم " وأما غزوة بدر الموعد{[19849]} فروى الواقدي - و{[19850]}من طريقه{[19851]} الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم ، وكانت الخيل عشرة قال{[19852]} الواقدي : وأقبل رجل من بني ضمرة يقال له مخشى{[19853]}بن عمرو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم{[19854]} أكثر أهل الموسم : يا محمد ! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد{[19855]} ، فما أعلمكم إلا أهل الموسم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ليرفع ذلك إلى عدوه : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا ، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح{[19856]} من منزلنا هذا ، فقال الضمري : بل نكف{[19857]} أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك{[19858]} " .


[19775]:من ظ، وفي الأصل: سوالهم.
[19776]:سقط من ظ.
[19777]:في ظ: بيديهم.
[19778]:في ظ: وجدوا.
[19779]:من ظ، وفي الأصل: بالاذعان.
[19780]:زيد في الأصل بعده: منهم، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[19781]:في ظ "و".
[19782]:زيد من ظ.
[19783]:سقط من ظ.
[19784]:من ظ، وفي الأصل: يزلهم ـ كذا.
[19785]:سقط من ظ.
[19786]:في ظ: الغزو.
[19787]:في ظ: الأحد.
[19788]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[19789]:في ظ: لا يسهل.
[19790]:من ظ، وفي الأصل: لم يخلف.
[19791]:زيد من ظ.
[19792]:من ظ، وفي الأصل: استأذن.
[19793]:إلى هنا انتهى الانطماس من مد.
[19794]:من مد، وفي الأصل وظ: محموده.
[19795]:زيد من ظ ومد.
[19796]:في مد: سحوح ـ كذا.
[19797]:في ظ: بمجروح.
[19798]:من ظ ومد، وفي الأصل: شطبت.
[19799]:في ظ: متمكن.
[19800]:سقط من ظ ومد.
[19801]:من ظ ومد، وفي الأصل: ركبتاها.
[19802]:سقط من ظ.
[19803]:من ظ ومد، وفي الأصل: أين..
[19804]:زيد في المغازى: طلحة.
[19805]:زيد من ظ ومد.
[19806]:من ظ ومد، وفي الأصل: ألبس.
[19807]:في ظ: ولا أتاهم.
[19808]:في ظ: ولا أتاهم.
[19809]:قيل: هي أول مرحلة لأهل إذا أرادوا مكة، كما في معجم البلدان.
[19810]:سقط من ظ.
[19811]:سقط من ظ.
[19812]:من ظ ومد، وفي الأصل: سعيد.
[19813]:من المغازى 1/338، وفي الأصول: ثنتين.
[19814]:من ظ ومد، والمغازى، وفي الأصل: بالنهار.
[19815]:من ظ ومد، والمغازى، وفي الأصل: بالنهار.
[19816]:في ظ: بالحطب.
[19817]:في ظ: بالحطب.
[19818]:من ظ ومد، وفي الأصل: يرى.
[19819]:من ظ ومد، وفي الأصل: المتعلمين ـ كذا.
[19820]:في ظ: الاسهل.
[19821]:من ظ ومد، وفي الأصل: علمهم.
[19822]:في ظ: جبير.
[19823]:العبارة من هنا إلى "عليه وسلم" الآتي سقطت من مد.
[19824]:من ظ، وفي الأصل: داء.
[19825]:من ظ ومد، وفي الأصل: ينادي.
[19826]:من الإصابة 5/242، وفي الأصلك يقطبة، وفي ظ ومد: يعتبة.
[19827]:في ظ: واخوا.
[19828]:من ظ ومد، وفي الأصل: بير.
[19829]:في ظ ومد: أبي عيينة.
[19830]:في ظ: البنبه.
[19831]:في ظ: صبوا.
[19832]:في ظ: حديث.
[19833]:في ظ: بهم.
[19834]:من ظ ومد، وفي الأصل: كبيرة.
[19835]:من ظ ومد، وفي الأصل: آية.
[19836]:من ظ ومد والمغازى 1/335، وفي الأصل: لعين ـ كذا.
[19837]:من مد، وفي الأصل: تركتها، وفي ظ: تركها.
[19838]:من ظ ومد، وفي الأصل: يصنع.
[19839]:من ظ ومد، وفي الأصل: يا بني ـ كذا.
[19840]:من ظ ومد، وفي الأصل: يا بني ـ كذا.
[19841]:سقط من ظ.
[19842]:من ظ ومد ـ أي يجر أحدنا الآخر، وفي الأصل: بتجار.
[19843]:في ظ ومد: يرجفان.
[19844]:من ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[19845]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشير قال.
[19846]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشير قال.
[19847]:من ظ ومد، وفي الأصل: بحيرة.
[19848]:زيد من ظ ومد.
[19849]:في ظ: الموعود.
[19850]:سقطت الواو من ظ.
[19851]:من مد، وفي الأصل: طريقة، وفي ظ: طريق.
[19852]:في ظ: وقال.
[19853]:في ظ: بخشى.
[19854]:العبارة من هنا إلى "عليه وسلم" سقطت من ظ.
[19855]:زيد من مد وكتاب المغازى للواقدي 1/388.
[19856]:من ظ ومد، والمغازى، وفي الأصل: يبرح.
[19857]:من مد والمغازى، وفي الأصل وظ: يكف.
[19858]:من ظ ومد والمغازى، وفي الأصل: بخلقك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ} (172)

قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاحشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) كان ذلك يوم حمراء الأسد . وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم . فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لم يتمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة . فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه . فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم{[639]} .

قوله : ( الذين استجابوا ) في إعراب ( الذين ) ثلاثة وجوه ، الأول : في موضع جر نعت للمؤمنين . الثاني : في موضع جر يدل من المؤمنين . الثالث : في محل رفع مبتدأ . وخبر ( للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) .


[639]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 428 وأسباب النزول للنيسابوري ص 86.