اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (143)

قوله تعالى : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج } في نصبه ستة أوجه :

أحسنها : أن يكُون بدلاً من " حملوة وفَرْشاً " لولا ما نَقَله الزَّجَّاج من الإجماع المُتقدِّم ، ولكن ليس فيه أنَّ ذلك مَحْصُور في الإبل ، والقَوْل بالبدلِ هو قَوْل الزَّجَّاج{[15413]} والفرَّاء{[15414]} .

والثاني : أنه مَنْصُوب ب " كُلُوا " الذي قَبْلَه أي : كُلُوا ثمانية أزْوَاج ، ويكون قوله- تعالى- : { وَلاَ تَتَّبِعُوا } إلى آخره كالمُعَتَرِض بين الفِعْل ومَنْصُوبه ، وهو قول عَلِيّ بن سُلَيْمَان وقدَّرَه : كُلُوا لَحْم ثَمَانِية .

وقال أبو البَقَاء - رحمه الله{[15415]}- : هو مَنْصُوب ب " كُلُوا " تقديره : كلوا مِمَّا رزقَكُم اللَّه ثمانية أزْوَاج ، " ولا تسرفوا " مُعْتَرِض بَيْنَهُما .

قال شهاب الدَّين{[15416]} : صوابه أن يقول : " ولا تَتَّبعُوا " بدل " ولا تُسْرفُوا " ؛ لأن كُلُوا - الذي يَلِيه " ولا تُسْرِفوا " - ليس مُنْصَبًّا على هذا ؛ لأنه بعيد منه ، ولأن بَعْده ما هو أوْلَى منه بالعمل ، ويحتمل أن يَكُون الناسخ غَلَط عَلَيْه ، وإنما قال هو : " ولا تَتَّبِعُوا " ؛ ويدل على ذلك أنه قال : " تقديره : كُلُوا ممَّا رَزَقكُم اللَّه " و " كُلُوا " الأوَّل ليس بَعْدَه " ممَّا رَزقكُم " ، إنما هو بَعْد الثَّاني .

الثالث : أنه عَطْف على " جَنَّاتٍ " أي : أنْشَا جنات وأنشأ ثَمَانِية أزْوَاج ، ثم حُذِفَ الفِعْل وحَرْف العَطْفِ ؛ وهو مذهب الكسَائِيّ .

قال أبو البقاء{[15417]} : " وهو ضعيف " .

قال شهاب الدين{[15418]} : الأمْر كذلك وقد سُمِع ذلك في كلامهم نَثْراً ونَظْماً : ففي النثر قوله : " أكلتُ لَحْماً سمَكاً تَمْراً " وفي نَظْمِهِم قول الشاعر : [ الخفيف ]

كَيْفَ أصْبحْتَ كَيْف أمْسَيْتَ مِمَّا *** يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيم{[15419]}

أي : أكلت لَحْماً وسمكاً وتمراً ، وكيف أصْبَحْت وكيف أمْسَيْت ، وهذا على أحَدِ القولين في ذلك .

والقول الثاني : أنه بدل بداء ؛ ومنه الحديث : " إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلّي الصَّلاة ، وما كُتِبَ له نِصْفُهَا ثلثُهَا رُبْعُها " إلى أنْ وَصَلَ إلى العُشْرِ{[15420]} .

الرابع : انه مَنْصُوبٌ بفعل مَحْذُوفٍ مدلول عليه بما في اللَّفْظِ ، تقديره : كُلُوا ثمانية أزْوَاج ؛ وهذا أضْعَفُ مما قبله .

الخامس : أنه مَنْصُوب على الحالِ ، تقديره : مُخْتَلفة أو متعدِّدَة ، وصاحب الحال : " الأنْعَام " فالعَامِل في الحال ما تعلَّق به الجَارُّ وهو " مِنْ "

السادس : أنه مَنْصُوب على البدل من محلِّ " مِمَّا رَزَقَكُم اللَّه " .

فصل في بيان كلمة " زَوْج "

الوَاحِد{[15421]} إذا كان وحده فهو فَرْد ، وإذا كان مَعَهُ غيره من جِنْسِه سُمِّي زَوْجاً وهما زَوْجَان ؛ قال – تعالى - : { خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى } [ النجم : 45 ] وقال : " ثمانِيَة أزْوَاج " ثم فَسَّرها بقوله : " من الضَّأنِ اثْنَيْنِ ومِن المَعْزِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ " .

قال القرطبي{[15422]} : والزَّوْج : خلاف الفَرْد ؛ يقال : زَوْج أو فَرْد كما يقال خَساً أو ذَكاً ، شفع ، أو وتر ، فقوله : " ثَمَانِيَة أزْواجِ " يعني ثمانية أفراد وكُلُّ فرد عنه العرب يحتاج إلى آخر يُسَمَّى زوجاً ، يقال للذكر : زوج وللأنثى زَوْجٌ ، ويقع لَفْظُ الزَّوْج للواحد والاثْنَيْن ، يقال : هما زَوْجَان وهما : زوْجٌ ؛ كما يقال : هما سِيَّان وهما سَوَاء ، وتقول : اشْتَرْيت زَوْجَيْ حَمَام وأنت تعني : ذكراً وأنْثَى .

قوله : " مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْن " في نصب " اثْنَيْنِ " وجهان :

أحدهما : أنه بَدَلٌ من " ثَمَانِيَة أزْوَاج " وهو ظَاهِر قول الزَّمَخْشَري{[15423]} ؛ فإنه قال : والدَّلِيلُ عليه " ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ " ثم فسَّرها بقوله : " مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْنِط الآية ؛ وبه صرح أبُو البقاءِ{[15424]} فقال : " واثْنيْنِ بدل من الثَّمانية وقد عُطِف عَلَيْه بقيَّة الثمانِية " .

والثاني : أنه مَنْصُوب ب " أنْشَأ " مقدَّراً ؛ وهو قول الفَارِسيِّ و " مِنْ " تتعلَّق بما نَصَب " اثْنَيْنِ " .

والجُمْهُور{[15425]} على تسْكِين همزة " الضَّأن " وهو جَمْع ضَائِن وضائنه ؛ كتاجِرٍ وتارجة وتَجْر ، وصَاحِبٍ وصَاحِبَة وصَحْب ، وراكب ورَكْب .

وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف وعيسى بن عمر : " الضَّأن " بفتحها ؛ وهو إمَّا جمع تكْسِير لضَائِنٍ ؛ كما يقال : خَادِم وخَدَم ، وحَارِس وحَرَس ، وطالِب وطَلَب ، وإما اسْمُ جمعٍ ، ويجمع الضَّأنُ على ضَئِين ؛ كما يقال : كَلْب وكَلِيبٌ ؛ قال القائل : [ الطويل ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** . . . فبذّت نبلهُم وكليبُ{[15426]}

وقيل : الضّئين والكليب اسما جمع ، ويقال : ضِئين بكسر الضاد ، وكأنها إتباع لكسر الهمزة ؛ نحو : بعير وشِعير بكسر الباء والشين لكسر العين ، و " الضأن " معروف وهو ذو الصّوف من الغنم ، و " المَعز " : ذو الشَّعر منها .

فصل فيما يقال في الجمع من النَّعم ونحوه

قال الجوهري : يقال : صِرمةٌ من الإبل ، وقطيع من الغنم ، وكوكبة من الفرسان ، وكبكبة من الرجال ، وخرقة من الغلمان ، ولمّ " ة من النساء ، ورعيلٌ من الخيل ، وسرب من الظّباء ، وعرجلة من السباع ، وعصابة{[15427]} من الطير ، ورَجل من الجراد وحشرمٌ من النخل .

وقال غيره : يقال أيضا : سرب من القطا .

قال الشاعر في ذلك : [ الطويل ]

أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ *** لَعَلَّي إلى أرْضِ الحَبيبِ أطِير{[15428]}

وقرا أبان بن عُثْمَان : اثنان بالرَّفْع على الابتداء ، والخَبَر الجَارُّ قَبْلَه ، وقرأ ابن{[15429]} كثير وأبو عمرو وابنُ عامر : " المَعَز " بفتح العين والباقون بسُكُونِها ، وهما لُغَتَان في جَمْع مَاعِز ، وقد تقدَّم أن فَاعِلاً يجمع على فَعْلٍ تارة ، وعلى فَعَل أخرى ؛ كتَاجِر وتَجْر وخَادِم وخَدْم ، وتقدَّم تحقيقه ، ويُجْمَع أيضاً على مِعْزَى وبها قرأ أبَيٌّ ، قال امْرُؤ القيس : [ الوافر ]

ألا إنْ لا تَكُنْ إبلٌ فَمِعْزَى *** كَأنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا العصِيُّ{[15430]}

وقال أبو زَيْد : إنه يَجْمَع على أمْعُوزٍ ؛ وأنشد : [ الكامل ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** كالتِّيْسِ فِي أمْعُوزِهِ المُتَرَبِّل{[15431]}

ويُجْمَع أيضاً على مَعْيز ؛ وأنْشَدُوا لامرئ القيس : [ الوافر ]

ويَمْنَحُهَا بَنُوا شَمَجَى بْنِ جَرْمٍ *** مَعِيزَهُم حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ{[15432]}

قال القُرْطُبِيُّ{[15433]} : والمعْزُ من الغَنَمِ خلاف الضَّأنِ ، وهي ذَوَات الأشْعَار والأذْنَاب القَصَار ، وهو اسم جِنْسٍ ، وكذلك المَعَزَ والمعيزُ والأمعُوز والمِعْزى ، وواحد المَعْزَ ، ماعز ؛ مثل صَاحِب وصَحْبٍ ، والأنْثى ماعِزَة وهي العنز والجَمع مَوَاعِز ، وأمْعز القَوْمُ : كثرت مَعْزَاهُم ، والمعّاز : صَاحِبُ المِعْزى والمَعَز : الصَّلابة من الأرْضِ ، والأمْعَز : المكان الصُّلب الكَثِير الحَصَى ، والمعزاء أيضاً ، واستمعز الرَّجُل في أمْر ، جَدَّ .


[15413]:ينظر: معاني القرآن 2/328.
[15414]:ينظر: معاني القرآن 1/359.
[15415]:ينظر: الإملاء 1/263.
[15416]:ينظر: الدر المصون 3/201 ـ 202.
[15417]:ينظر: الإملاء 1/263.
[15418]:ينظر: الدر المصون 3/202.
[15419]:تقدم.
[15420]:أخرجه أحمد (4/321) وأبو داود (796) وابن حبان (528 ـ موارد) من حديث عمار بن ياسر. وصححه ابن حبان.
[15421]:ينظر: الرازي 13/177.
[15422]:ينظر: القرطبي 7/75.
[15423]:ينظر: الكشاف 2/73.
[15424]:ينظر: الإملاء 1/263.
[15425]:ينظر: المحتسب 1/234. الدر المصون 3/202.
[15426]:تقدم.
[15427]:في أ: عقابه.
[15428]:نسب البيت للمجنون، وللعباس بن الأحنف، ينظر: ديوان الأول ص 106، وديوان الثاني ص 168، وتخليص الشواهد ص 141، والدرر 1/300، وشرح التصريح 1/133، والمقاصد النحوية 1/431، وأوضح المسالك 1/147، وشرح الأشموني 1/269، وشرح ابن عقيل ص 80، 81.
[15429]:ينظر: النشر 2/266 إتحاف فضلاء البشر 2/36 إعراب القراءات 1/172. السبعة 271 الحجة لأبي زرعة 275 الحجة لابن خالويه (152) التبيان 1/544 الدر المصون 3/203.
[15430]:تقدم.
[15431]:عجز بيت لربيعة بن مقروم الضبي وصدره: أخلصته صنعا فاغن مُحملجاً *** .............. ينظر: الدر المصون 3/203 النوادر (77).
[15432]:ينظر: ديوانه 143، المقتضب 3/224، مجاز القرآن 2/2، التهذيب 3/447 (حن)، اللسان (حنن)، الدر المصون 3/203.
[15433]:ينظر: القرطبي 7/75.