قوله تعالى : " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي " نفد الشيء إذا تم وفرغ ، وقد تقدم . " ولو جئنا بمثله مددا " أي زيادة على البحر عددا أو وزنا . وفي مصحف أُبي " مدادا " وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد . وانتصب " مددا " على التمييز أو الحال . وقال ابن عباس : قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " {[10758]} [ الإسراء : 85 ] قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ؟ فنزلت " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر " الآية . وقيل : قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة ، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح ؟ ! فقال الله تعالى قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة ، قال ابن عباس : " كلمات ربي " أي مواعظ ربي . وقيل : عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى ، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فوائد الكلمات ، ولأنه ينوب منا بها ، فجازت العبادة عنها بصيغة الجمع تفخيما ، وقال الأعشى :
ووجهٌ نقيُّ اللون صافٍ يَزينُهُ *** مع الجِيدِ لبَّاتٌ لهَا ومَعَاصِمُ
فعبر باللبات عن اللبة . وفي التنزيل " نحن أولياؤكم " {[10759]} [ فصلت : 31 ] و " إنا نحن نزلنا الذكر " {[10760]} [ الحجر : 9 ] " وإنا لنحن نحيي ونميت{[10761]} " [ الحجر : 23 ] وكذلك " إن إبراهيم كان أمة " {[10762]} [ النحل :120 ] لأنه ناب مناب أمة . وقيل : أي ما نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى . وقال السدي : أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب . وقال عكرمة : لنفد البحر قبل أن ينفه ثواب من قال لا إله إلا الله . ونظير هذه الآية : " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " {[10763]} [ لقمان : 27 ] . وقرأ حمزة والكسائي " قبل أن ينفد " بالياء لتقدم الفعل .
ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللاً بما تراه من{[47581]} الحجج البينة{[47582]} والنفائس الملزمة{[47583]} لهم بفصل النزاع ، و{[47584]}أتبع ذلك بقص الأمر الذي بإغفاله تجرؤوا على الكفر ، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن معلوماته لا تحد ، لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد ، وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها{[47585]}{ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً{[47586]} }[ الإسراء : 85 ] بأنهم أوتوا التوراة ، وكان لكل ما{[47587]} سألوا عنه من الفصول الطويلة الذيول أمور تهول ، وكان ربما{[47588]} قال قائل : ما له لا يزيد ذلك شرحاً ؟ قال تعالى آمراً بالجواب عن ذلك كله ، معلماً لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف على تمام شرح شيء من معلوماته ، وآخر استفصال شيء من مقدوراته ، قطعاً لهم عن السؤال ، وتقريباً إلى أفهامهم بضرب من المثال{[47589]} : { قل } أي يا أشرف {[47590]}الخلق لهم{[47591]} : { لو كان البحر } {[47592]}أي ماؤه{[47593]} على عظمته عندكم { مداداً } {[47594]}وهو اسم لما يمد به الدواة من الحبر{[47595]} { لكلمات } أي لكتب كلمات { ربي } أي{[47596]} المحسن إليّ في وصف ذلك و{[47597]}غيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ذلك { لنفد } أي فني {[47598]}مع الضعف فناء لا تدارك له{[47599]} { البحر } لأنه جسم متناه .
{[47600]}ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم ، وكانت الكلمات من صفات{[47601]} الله ، وصفات الله واجبة الوجود ، فكان نفادها محالاً ، فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقاً للأزمنة كلها ، جرد الظرف من حرف الجر فقال : { قبل أن تنفد } {[47602]}أي تفنى وتفرغ{[47603]} { كلمات ربي } لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى ، وكل منها له شرح طويل ، وخطب جليل ؛ {[47604]}ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد{[47605]} البحر قال : { ولو جئنا } أي{[47606]} بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا { بمثله مدداً * } أي{[47607]} له يكتب منه {[47608]}لنفد أيضاً ، وهذا كله كناية عن عدم النفاد ، لأنه تعليق على محال عادة كقولهم : لا تزال على كذا ما بل بحر صوفة{[47609]} وما دجى الليل ، ونحو هذا ، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر منه ، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف ، {[47610]}وعبر بالقبل دون أن يقال " ولم تنفد " ونحوه ، لأن ذلك كاف في قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ذلك ربما فتح باباً من التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيداً بذلك ، وأما سورة لقمان{[47611]} فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على
{ الغني{[47612]} الحميد }[ لقمان : 26 ] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا ، فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه ، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على نفاد الكلمات ولا {[47613]}عدمه ، و{[47614]}في إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق{[47615]} وغيره ما يقطع بعدم نفاذها ، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة أدخل في التشابه{[47616]} ، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر " على لاحب{[47617]} لا يهتدى بمناره " من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود ، ولعل التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه إلى المحكم ، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية لذاته ، ولا لشيء من صفاته ، بل هو الأول{[47618]} والآخر الباقي بلا زوال - والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.