قال العلماء : هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى : " سيقول السفهاء من الناس " [ البقرة : 142 ] . ومعنى " تقلب وجهك " : تحول وجهك إلى السماء ، قاله الطبري . الزجاج : تقلب عينيك في النظر إلى السماء ، والمعنى متقارب . وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوحي . ومعنى " ترضاها " تحبها . قال السدي : كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به ، وكان يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى : " قد نرى تقلب وجهك في السماء " . وروى أبو إسحاق عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله تعالى : " قد نرى تقلب وجهك في السماء " . وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه ، والحمد لله .
قوله تعالى :{ فول وجهك شطرا المسجد الحرام } فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " فول " أمر " وجهك شطر " أي ناحية " المسجد الحرام " يعني الكعبة ، ولا خلاف في هذا . قيل : حيال البيت كله ، عن ابن عباس . وقال ابن عمر : حيال الميزاب من الكعبة ، قال ابن عطية : والميزاب : هو قبلة المدينة وأهل الشام ، وهناك قبلة أهل الأندلس .
قلت : قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي ) .
الثانية : قوله تعالى : " شطر المسجد الحرام " الشطر له محامل : يكون الناحية والجهة ، كما في هذه الآية ، وهو ظرف مكان ، كما تقول : تلقاءه وجهته . وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول [ به{[1285]} ] ، وأيضا فإن الفعل واقع فيه . وقال داود بن أبي هند : إن في حرف ابن مسعود " فول وجهك تلقاء المسجد الحرام " . وقال الشاعر{[1286]} :
أقول لأم زِنْبَاع أقيمي *** صدورَ العِيسِ شطرَ بني تميم .
وقد أظلكم من شطر ثَغْرِكُم *** هولٌ له ظُلَمٌ يغشاكم قطعا
ألا من مبلغ عمرا رسولا *** وما تغني الرسالة شَطْرَ عمرو
وشطر الشيء : نصفه ، ومنه الحديث : ( الطهور شطر الإيمان ) . ويكون من الأضداد ، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه ، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه . فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحو غير الاستواء ، وهو الذي أعيا أهله خبثا ، وقد شطر وشطر ( بالضم ) شطارة فيهما وسئل بعضهم عن الشاطر ، فقال : هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه .
الثالثة : لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق ، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها ، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له ، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره أبو عمر . وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها ، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها . ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا ، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة ، قاله عطاء ومجاهد .
الرابعة : واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة ، فمنهم من قال بالأول . قال ابن العربي : وهو ضعيف ؛ لأنه تكليف لما لا يصل إليه{[1287]} . ومنهم من قال بالجهة ، وهو الصحيح لثلاثة أوجه : الأول : أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف . الثاني : أنه المأمور به في القرآن ، لقوله تعالى : " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم " يعني من الأرض من شرق أو غرب " فولوا وجوهكم شطره " . الثالث : أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت .
الخامسة : في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده . وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي : يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده . وقال شريك القاضي : ينظر في القيام إلى موضع السجود ، وفي الركوع إلى موضع قدميه ، وفي السجود إلى موضع أنفه ، وفي القعود إلى حجره . قال ابن العربي : إنما ينظر أمامه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء ، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج . وما جعل علينا في الدين من حرج ، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه .
قوله تعالى : " وإن الذين أوتوا الكتاب " يريد اليهود والنصارى " ليعلمون أنه الحق من ربهم " يعني تحويل القبلة من بيت المقدس . فإن قيل : كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم ؟ قيل عنه جوابان : أحدهما : أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به . الثاني : أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم ، فصاروا عالمين بجواز القبلة .
قوله تعالى : " وما الله بغافل عما يعملون " تقدم{[1288]} معناه . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تعملون " بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل{[1289]} أعمال العباد ولا يغفل عنها ، وضمنه الوعيد . وقرأ الباقون بالياء من تحت .
ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى : { قد نرى تقلب{[5438]} وجهك } قال الحرالي : فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع ، ففيه إعلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو{[5439]} رسولاً لكافة الناس وكان{[5440]} صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته ، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به { قد } بالتقليل للتقلب وللرؤية { في السماء } فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء{[5441]} بوجه الداعي ، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي ، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه ، ولا يرفع طرفه إلى السماء{[5442]} " ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم " والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال : " حتى رأينا عفرة إبطيه "
- انتهى ملخصاً . { فلنولينَّك } أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك{[5443]} من غير شك { قبلة } قال الحرالي : نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في {[5444]}تنقله ، فتلك{[5445]} هي القبلة التي هي{[5446]} توجه لوجه الله لا توجه لمنظر{[5447]} باد من خلق الله ، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية{[5448]} ؛ وفي قوله : { ترضاها } إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة ، لأن الرضى وصف المقر لما يريد ، فكل واقع بإرادة لا يكون رضىً إلى أن يستدركه الإقرار ، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى . ودل على أن مرضيه{[5449]} الكعبة بفاء السبب في قوله : { فول وجهك } ، وأما قلبك فإنما توجهه{[5450]} إلى الله ، الغيب للغيب والظاهر للظاهر ، { شطر }{[5451]} أي عين { المسجد } كما استدل الشافعي {[5452]}رحمه الله{[5453]} {[5454]}في الرسالة{[5455]} على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال{[5456]} : وهذا كله من أشعارهم يبين{[5457]} أن شطر الشيء قصد عين الشيء ، إذا كان معايناً فبالصواب وإن كان مغيباً فبالاجتهاد{[5458]} { الحرام } وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة . قال الحرالي : سماه الله حراماً لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراماً على من يدخله دخول متكبر أو متحير{[5459]} - انتهى . وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى . وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها{[5460]} السجود ، وسيأتي عند
{ يسألونك عن الشهر الحرام{[5461]} }[ البقرة : 217 ] زيادة على هذا{[5462]} ، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال : " صلى{[5463]} رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين " ولما بشره{[5464]} سبحانه بالتحويل أولاً وأوقع المبشر{[5465]} به ثانياً أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله : { وحيث ما كنتم } أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها{[5466]} { فولوا وجوهكم شطره } بتوجيه قلوبكم إليّ .
ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال : { وإن الذين أوتوا الكتاب } أي من اليهود والنصارى ، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله : { ليعلمون أنه } أي هذا التحويل { الحق{[5467]} } أي{[5468]} ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلاً { من ربهم } {[5469]}أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته ، فعندما أتاهم ردوا رحمته ، وجعل {[5470]}ذلك سبحانه{[5471]} في سياق {[5472]}مهدد له{[5473]} مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتاً وتقوية لعزائمهم وتمكيناً حيث ختم الآية بقوله : { وما الله } {[5474]}أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً{[5475]} { بغافل عما يعملون{[5476]} } قال الحرالي : بالياء أي التحتانية إعراضاً عنهم ، وبالتاء إقبالاً عليهم ، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين : في متماد على {[5477]}سوء هدد فيه لما أقبل عليه ، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه .