الأولى : قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " المعنى : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا ، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم . والوسط : العدل ، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " قال : ( عدلا ) . قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي التنزيل : " قال أوسطهم{[1274]} " [ القلم : 28 ] أي أعدلهم وخيرهم . وقال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
أنتم أوسط حي علموا *** بصغير الأمر أو إحدى الكُبَرْ
لا تذهبن في الأمور فَرَطاً *** لا تسألن إن سألت شططا
ووسط الوادي : خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء . ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا ، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم . وفي الحديث : ( خير الأمور أوسطها ) . وفيه عن علي رضي الله عنه : " عليكم{[1275]} بالنمط الأوسط ، فإليه ينزل العالي ، وإليه يرتفع النازل " . وفلان من أوسط قومه ، وإنه لواسطة قومه ، ووسط قومه ، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم . وقد وسط وساطة وسطة ، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء . والوسط ( بسكون السين ) الظرف ، تقول : صليت وسط القوم . وجلست وسط الدار ( بالتحريك ) لأنه اسم . قال الجوهري : وكل موضع صلح فيه " بين " فهو وسط ، وإن لم يصلح فيه " بين " فهو وسط بالتحريك ، وربما يسكن وليس بالوجه .
الثانية : قوله تعالى : " لتكونوا " نصب بلام كي ، أي لأن تكونوا . " شهداء " خبر كان . " على الناس " أي في المحشر للأنبياء على أممهم ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب فيقول : هل بلغت ؟ فيقول : نعم فيقال لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون ما أتانا من نذير . فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول محمد وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا ، فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . . . ) . وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه ، وفيه : ( فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا ، فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب : صدقوا . فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) . قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام ، إلا من كان في قلبه حنة{[1276]} على أخيه . وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال : ( وجبت وجبت وجبت ) . ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال : ( وجبت وجبت وجبت ) . فقال عمر : فدى لك أبي وأمي ، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت : ( وجبت وجبت وجبت ) ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت : ( وجبت وجبت وجبت ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ) . أخرجه البخاري بمعناه . وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا : " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " . وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني استجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ) . خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول " .
الثالثة : قال علماؤنا : أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه ، فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا ، كما قال عليه السلام : ( نحن الآخرون الأولون ) . وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا . وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة{[1277]} إن شاء الله تعالى .
الرابعة : وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به ، لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس . فكل عصر شهيد على من بعده ، فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين ، وقول التابعين على من بعدهم . وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم . ولا معنى لقول من قال : أريد به جميع الأمة ، لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة . وبيان هذا في كتب أصول الفقه .
قوله تعالى : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة . وقيل : " عليكم " بمعنى لكم ، أي يشهد لكم بالإيمان . وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم .
قوله تعالى : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل : المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى ، لقوله " كنت عليها " . وقيل : الثانية ، فتكون الكاف زائدة ، أي أنت الآن عليها ، كما تقدم ، وكما قال : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " [ آل عمران : 110 ] أي أنتم ، في قول بعضهم ، وسيأتي{[1278]} .
قوله تعالى : " إلا لنعلم من يتبع الرسول " قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : معنى " لنعلم " لنرى . والعرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كقوله تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك{[1279]} " [ الفيل : 1 ] بمعنى ألم تعلم . وقيل : المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم ، فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها . وقيل : المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، حكاه ابن فورك ، وذكره الطبري عن ابن عباس . وقيل : المعنى إلا ليعلم النبي واتباعه ، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه ، كما يقال : فعل الأمير كذا ، وإنما فعله اتباعه ، ذكره المهدوي وهو جيد . وقيل : معناه ليعلم محمد ، فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا ، كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله : ( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني{[1280]} ) الحديث . والأول أظهر ، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء ، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة ، علم ما يكون قبل أن يكون ، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا . وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء{[1281]} " [ آل عمران : 140 ] ، " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين{[1282]} " [ محمد : 31 ] وما أشبه . والآية جواب لقريش في قولهم : " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " [ البقرة : 142 ] وكانت قريش تألف الكعبة ، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه . وقرأ الزهري " إلا ليعلم " " فمن " في موضع رفع على هذه القراءة ، لأنها اسم ما لم يسم فاعله . وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول . " يتبع الرسول " يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة . " ممن ينقلب على عقبيه " يعني ممن يرتد عن دينه ؛ لأن القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم ، ولهذا قال : " وإن كانت لكبيرة " أي تحويلها ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . والتقدير في العربية : وإن كانت التحويلة .
قوله تعالى : " وإن كانت لكبيرة " ذهب الفراء إلى أن " إن " واللام بمعنى ما وإلا ، والبصريون يقولون : هي إن الثقيلة خففت . وقال الأخفش : أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة . " إلا على الذين هدى الله " أي خالق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم ، كما قال تعالى : " أولئك كتب في قلوبهم الإيمان{[1283]} " [ المجادلة : 22 ] .
قوله تعالى : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ، كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب ، على ما تقدم{[1284]} . وخرج الترمذي عن ابن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله ، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " الآية ، قال : هذا حديث حسن صحيح . فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل . وقال مالك : إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة : إن الصلاة ليست من الإيمان . وقال محمد بن إسحاق : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم ، وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين . وروى ابن وهب وابن القاسم وابن عبدالحكم وأشهب عن مالك " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قال : صلاتكم .
قوله تعالى : " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " الرأفة أشد من الرحمة . وقال أبو عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة ، والمعنى متقارب . وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " فلينظر هناك . وقرأ الكوفيون وأبو عمرو " لرؤف " على وزن فعل ، وهي لغة بني أسد ، ومنه قول الوليد بن عقبة :
وشَرُّ الطالبين فلا تكنه *** يقاتل عمه الرؤف الرحيم
وحكى الكسائي أن لغة بني أسد " لرأف " ، على فعل . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لروف " مثقلا بغير همز ، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ، ساكنة كانت أو متحركة .
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله : { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام الذي هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى { جعلناكم } بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به { أمة } . قال الحرالي : من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي{[5336]} لإمام أول{[5337]} ، فالإمام والأمة كالمتقابلين ، الإمام قاصد أمماً ، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها ، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى{[5338]} . { وسطاً } أي شريفة{[5339]} خياراً{[5340]} ، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء ، فهو خيار الشيء . قال {[5341]}أبو تمام{[5342]} الطائي .
كانت هي الوسط {[5343]}المحمي فاكتنفت{[5344]} *** {[5345]}بها الحوادث{[5346]} حتى أصبحت طرفا{[5347]}
وسالك{[5348]} الوسط من الطريق محفوظ من الغلط ، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم{[5349]} ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة{[5350]} ؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة ، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً ، وكذا{[5351]} كان ظرفاً ، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به ، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني .
ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط ، وطس ، سوط ، سطو ، طوس{[5352]} ، طسو ، طيس{[5353]} ، طسى ، سيط{[5354]} سطأ طسأ ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي ، ويلزم أن يكون أعلى من غيره ، لأن أكثر{[5355]} المخلوقات كُريّ ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى ، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما{[5356]} بينه وبين الوسط ؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم{[5357]} العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة ، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف ؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله ، ووسط الشيء ما بين طرفيه ، فإذا سكنت السين كان ظرفاً أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان ؛ ووسطه قطّعه نصفين ، وتوسط بينهم عمل الوساطة{[5358]} وأخذ الوسط بين الرديء والجيد ، ووسط القوم و{[5359]}توسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم ، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته ، وأوطاس{[5360]} واد بديار هوازن{[5361]} لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس{[5362]} ، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب . ومن الجودة وهي{[5363]} ملزومة لحسن الوسط الباب ، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات ، والطاووس طائر حسن ، والجميل من الرجال والفضة ، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، والمطوس كمعظم الشيء الحسن ، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة ، وتطوست المرأة تزينت ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن . ومن العلو : سطا الفرس أبعد الخطو{[5364]} ، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره ، والطويل وواسط الكور مقدمه{[5365]} ، ومن الشدة والغلبة : صار الماء وسيطه{[5366]} غلب على الطين ، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش{[5367]} ، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل{[5368]} ، والفرس ركب رأسه ، وساطاه شدد عليه ؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها ؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر ، والوطيس التنور وحرّ الحرب ، والوطيس شدة الأمر ، وككَتّاب{[5369]} الراعي ، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر{[5370]} بينهم ، والموج تلاطم ، وأوطاس واد بديار هوازن{[5371]} لأنه أشد مما هو رمل صرف ، والسوط{[5372]} الذي يضرب به والشدة والضرب ، والمسواط فرس لا يعطى حضره{[5373]} إلا بالسوط ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض ، وسوَّط أخرج ذلك ، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق ، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به{[5374]} وطسى كرضى طسا غلب الدسم{[5375]} على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً{[5376]} ؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم{[5377]} ، وأطسأه الشبع ونفسي{[5378]} طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف .
ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد ، الطيس العدد الكثير ، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل {[5379]}في الكل{[5380]} وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما ؛ وسطا{[5381]} الماء كثر{[5382]} ؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء ، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور ؛ و{[5383]}سطا الطعام ذاقه ؛ والساطىء{[5384]} الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها{[5385]} من ماء الفحل ؛ والسوط{[5386]} الذي يضرب به والخلط والضرب ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه ، وسوط باطل ضوء يخرج{[5387]} من الكوّة ، وسطت الشيء بالسوط ضربته به ، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس ، والمسواط فرس لا يعطى حُضره إلا بالسوط ، واستوط أمره اضطرب{[5388]} واختلط ، وأموالهم سويطة{[5389]} بينهم مختلطة{[5390]} ، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه ، والسوط النصيب والفضلة من الغدير . ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها ، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى{[5391]} .
ولما أثبت لهم الوسط الذي{[5392]} من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء{[5393]} من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال : { لتكونوا } أي أنتم لا غيركم { شهداء }{[5394]} {[5395]}كما أفاده التعبير{[5396]} بهذا{[5397]} دون أن يقال : لتشهدوا ، وقال : { على الناس } أي كافة . ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال : { ويكون الرسول } أي{[5398]} لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط { عليكم } خاصة{[5399]} { شهيداً } بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبأنه قد بلغكم مدة حياته ، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار ، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله ، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء{[5400]} فافهم صوغ الكلام هكذا : إنهم{[5401]} حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم{[5402]} إلا الرسول ، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم ، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى{[5403]} في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك .
ولما أعلم بما { سيقول السفهاء } [ البقرة : 142 ] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه{[5404]} إلى قبلتين بقوله : { وما جعلنا } {[5405]}أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد{[5406]} { القبلة } قال الحرالي : في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها{[5407]} ابتلاء بتقليب{[5408]} الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم ، فالوجهة{[5409]} الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب{[5410]} الأحكام بما في قلبه{[5411]} من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى{[5412]} .
وبين أنها الأولى بقوله : { التي كنت عليها } وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله : { إلا لنعلم } أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها { من يتبع الرسول } في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه { ممن ينقلب } أي يرتد{[5413]} فيدبر{[5414]} بعد إقباله متنكساً { على عقبيه } علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم ، والعقب مؤخر القدم . وقال الحرالي : لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه ، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع فهذا وجهه{[5415]} ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى .
ثم بين{[5416]} شدتها على من أخلد إلى العادة{[5417]} لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في{[5418]} الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال : { وإن كانت } أي الجعلة { لكبيرة } {[5419]}أي ثقيلة شاقة جداً{[5420]} لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً ، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال : { إلا على الذين هدى الله } أي خلق {[5421]}الذي له الأمر كله{[5422]} الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة .
ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم{[5423]} عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال : { وما كان الله } {[5424]}الذي له الكمال المطلق{[5425]} { ليضيع{[5426]} } قال الحرالي : مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة { إيمانكم } أي المصرح به في قولكم :{ آمنا بالله }[ البقرة : 8 ] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم :
{ ونحن له مخلصون }[ البقرة : 139 ] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى ، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده .
ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع{[5427]} هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال{[5428]} : { إن الله }{[5429]} أي المحيط بجميع صفات الكمال{[5430]} { بالناس } أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة { لرءوف } أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به ، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم{[5431]} يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم ، وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ{[5432]} بمسراها{[5433]} في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على{[5434]} علنه - انتهى .
وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه{[5435]} { رحيم } {[5436]}لمن يشاء{[5437]} ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى ، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب ، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً . وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله عليه وسلم ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس ، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا .