الأولى : قوله تعالى : " فلا تعضلوهن " روي أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البدَّاح{[2142]} فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه . فنزلت الآية . قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال : ( إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح ) فقال : آمنت بالله ، وزوجها منه . وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت : " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " . وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس ، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه ، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب ، فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا أزوجك أبدا فأنزل الله ، أو قال أنزلت : " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فكفرت عن يمين وأنكحتها إياه . في رواية للبخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا ، وقال : خلى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها فأنزل الله الآية ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى . وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ) . قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان{[2143]} . وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان .
الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا ، ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ، ولم تحتج إلى وليها معقل ، فالخطاب إذا في قوله تعالى : " فلا تعضلوهن " للأولياء ، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن . وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج ، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها . واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال : " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " [ البقرة : 230 ] ولم يذكر الولي . وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفى . والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول . والله أعلم .
الثالثة : قوله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن " بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه ، لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة . و " تعضلوهن " معناه تحبسوهن . وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها . وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس ، يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي . وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل ، ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه . وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه ، وعضلت الدجاجة : نشب بيضها . وفي حديث معاوية : ( معضلة ولا أبا حسن ) ، أي مسألة صعبة ضيقة المخارج . وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس . وكل مشكل عند العرب معضل ، ومنه قول الشافعي :
إذا المعضلاتُ تصدّينني *** كشفتُ حقائقَها بالنَّظَر
ويقال : أعضل الأمر إذا اشتد . وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء . وعضل فلان أيمه أي منعها ، يعضُلها ويعضِلها ( بالضم والكسر ) لغتان .
الرابعة : قوله تعالى : " ذلك يوعظ به من كان " ولم يقل " ذلكم " لأنه محمول على معنى الجمع . ولو كان " ذلكم " لجاز ، مثل " ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم " أي ما لكم فيه من الصلاح . " وأنتم لا تعلمون " ذلك .
ولما نهى{[10746]} عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من{[10747]} يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً{[10748]} لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم{[10749]} فقال : { وإذا طلقتم } أي أيها الأزواج ، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال : { النساء } أيّ طلاق كان { فبلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين{[10750]} على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل{[10751]} { فلا تعضلوهن } أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو{[10752]} غير أزواج ، والعضل قال الحرالي{[10753]} هو أسوأ المنع ، من عضلت الدجاجة إذا نشبت{[10754]} بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى{[10755]} .
أن ينكحن أزواجهن } أي الذين طلقوهن وغيرهم ، وسموا أزواجاً {[10756]}لمآل أمرهم{[10757]} إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان ؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها{[10758]} على أنه لا نكاح إلا بولي ، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر{[10759]} من الداء العضال ، و{[10760]}إن عضل{[10761]} من غير {[10762]}كفوء جاز{[10763]} ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله{[10764]} الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع{[10765]} عند الحاكم وقد بينت{[10766]} ذلك{[10767]} السنة . {[10768]}وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك { طلقتم } يفهم الأزواج من { تعضلوهن } و { تعضلوهن{[10769]} } يفهم الأولياء من { طلقتم } وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك { إذا تراضوا } أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال : أزواجاً لهن مثلاً . ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله : { بينهم } ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله : { بالمعروف } فإن تراضوا على غيره كما{[10770]} لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن ، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع{[10771]} معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر{[10772]} فوصف أحدهما - انتهى .
ولما ذكر الأحكام مبيناً لحكمها فكان { ذلك } وعظاً وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال : ذلك {[10773]}الأمر العظيم{[10774]} يا أيها الرسول { يوعظ } أي يرقق{[10775]} { به } قلوب { من كان } والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء و{[10776]}وعيده - انتهى{[10777]} . {[10778]}فهو تهديد لمن تشق{[10779]} عليه الأحكام وهم الأكثر .
ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق{[10780]} فألقى كليته للسماع لحظه{[10781]} بقوله : { منكم } معلماً أن{[10782]} الخطاب في الحقيقة لكل فاهم ، وإنما قيد{[10783]} بهم لأنهم المنتفعون به {[10784]}الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان {[10785]}لأن الخطاب{[10786]} وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن{[10787]} من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله : { يؤمن بالله } أي لما له من العظمة { واليوم الآخر } خوفاً من الفضيحة فيه ، وفي تسميته وعظاً{[10788]} إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً .
قال الحرالي : لأن من فعل شيئاً فعل به{[10789]} نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو{[10790]} زوجاً ، ومن زنى زنى{[10791]} به{ سيجزيهم وصفهم{[10792]} }[ الأنعام : 139 ] انتهى .
فلما وقع ما هيجوا إليه {[10793]}من كمال{[10794]} الإصغاء قال مقبلاً عليهم : { ذلكم{[10795]} } أي الأمر العظيم الشأن { أزكى لكم } أي أشد تنمية وتكثيراً{[10796]} وتنقية وتطهيراً{[10797]} بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى { وأطهر } للقلوب . ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال {[10798]}مظهراً{[10799]} ومعيداً{[10800]} للاسم{[10801]} الأعظم تعظيماً للأمر : { والله } أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم { يعلم } أي له{[10802]} هذا الوصف { وأنتم لا تعلمون* } أي ليس لكم هذا الوصف بالذات{[10803]} لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا و{[10804]}صيغة الدوام .