الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (225)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " باللغو " اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى ، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه ، أو بما يلغى إثمه ، وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ) . ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر{[2049]} :

وربَّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّمِ *** عن اللَّغَا ورَفَثِ التكلم

وقال آخر{[2050]} :

ولست بمأخوذ بلغو تقوله *** إذا لم تَعَمَّد عاقداتِ العزائمِ

الثانية : واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو ، فقال ابن عباس : ( هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله ، وبلى والله ، دون قصد لليمين ) . قال المروزي : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها . وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ( أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب ) . وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : ( " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ) . وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن ، فيكون بخلافه ، قاله مالك ، حكاه ابن القاسم عنه ، وقال به جماعة من السلف . قال أبو هريرة : ( إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا ليس هو ، فهو اللغو ، وليس فيه كفارة ) ، ونحوه عن ابن عباس . وروي : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته ، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان ، فإذا الأمر بخلاف ذلك ، فقال الرجل : حنث يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ) . وفي الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه ، فلا كفارة فيه . والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أن فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا ، أو يعتذر لمخلوق ، أو يقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة ، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله ، أو أن يفعله ثم لا يفعله ، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك ، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه . وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال : ( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ) ، وقاله طاوس . وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ) أخرجه مسلم . وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال ، فيقول : مالي علي حرام إن فعلت كذا ، والحلال علي حرام ، وقاله مكحول الدمشقي ، ومالك أيضا ، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه . وقيل : هو يمين المعصية ، قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبدالرحمن وعروة وعبدالله ابنا الزبير ، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه ، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإنَّ تركها كفارتها ) أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي في " المائدة " {[2051]} أيضا . وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك ، هو لغية إن فعل كذا . مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر ، والله لا أشتريه بكذا . النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله . وقال ابن عباس أيضا والضحاك : ( إن لغو اليمين هي المكفرة ، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ) . وحكى ابن عبدالبر قولا : أن اللغو أيمان المكره . قال ابن العربي : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها ؛ لأنها جاءت على خلاف قصده ، فهي لغو محض .

قلت : ويمين المكره بمثابتها . وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " {[2052]} إن شاء الله تعالى . قال ابن العربي : وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل ؛ لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة ، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ، ويقال له : لا تفعل وكفر ، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه . وأما من قال : إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا ، فهو قول لغو ، في طريق الكفارة ، ولكنه منعقد في القصد ، مكروه ، وربما يؤاخذ به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) . وأما من قال : إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه . وسيأتي في " براءة " {[2053]} . قال ابن العربي : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى . وضعفه ابن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو ، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة ، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة{[2054]} ، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة ، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة ، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة ، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها ، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم .

الثالثة : قوله تعالى : " في أيمانكم " الأيمان جمع يمين ، واليمين الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا . وقيل : يمين فعيل من اليمن ، وهو البركة ، سماها الله تعالى بذلك ؛ لأنها تحفظ الحقوق . ويمين تذكر وتؤنث ، وتجمع أيمان وأيمن ، قال زهير :

فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم{[2055]}

الرابعة : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " مثل قوله : " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " [ المائدة : 89 ] . وهناك{[2056]} يأتي الكلام فيه مستوفى ، إن شاء الله تعالى . وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل ، أي هذا اللغو{[2057]} ، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه . و " غفور حليم " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة ، إذ هو باب رفق وتوسعة .


[2049]:- هو العجاج، كما في ديوانه.
[2050]:- هو الفرزدق، كما في النقائض ص 344 طبع أوربا.
[2051]:- راجع جـ6 ص 265.
[2052]:- راجع جـ10 ص 186.
[2053]:- راجع جـ8 ص 228 وما بعدها.
[2054]:- اليمين المصبورة هي التي ألزم بها الحالف وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها: "مصبورة" وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إلى اليمين مجازا. (ابن الأثير).
[2055]:- هذا صدر بيت ثمامة: * بمقسمة تمور بها الدماء*
[2056]:- راجع جـ6 ص 266.
[2057]:- في نسخ ب: هذا لغو.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (225)

ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة{[10383]} طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال{[10384]} في جواب من كأنه{[10385]} سأل عن ذلك : { لا يؤاخذكم{[10386]} }{[10387]} أي لا يعاقبكم{[10388]} ، وحقيقته{[10389]} يعاملكم معاملة من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه { الله } فكرر{[10390]} في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة { باللغو } وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي{[10391]} . { في أيمانكم } فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم . ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال : { ولكن يؤاخذكم } والعبارة صالحة للإثم والكفارة . ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال : { بما{[10392]} كسبت } أي تعمدت { قلوبكم } فاجتمع فيه مع اللفظ النية . قال الحرالي : فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ{[10393]} باجتماعهما ، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو ، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله ، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى . ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من{[10394]} أن يمنعوا من شيء فيقارفوه ، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي .

ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله {[10395]}مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه{[10396]} : { والله } أي مع ما له من العظمة { غفور } أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا . {[10397]} ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة{[10398]} كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال { حليم * }{[10399]} لا يعاجلهم بالأخذ ، والحلم احتمال{[10400]} الأعلى للأذى{[10401]} من الأدنى ، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية{[10402]} في حق مستعظم - قاله الحرالي{[10403]} .


[10383]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مصالحة.
[10384]:في ظ: كان.
[10385]:من م ومد وظ، وفي الأصل: كان.
[10386]:مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما نهى عن جعل الله معرضا للأيمان كان ذلك حتما لترك الأيمان وهم يشتق عليهم ذلك لأن العادة جرت لهم بالأيمان فذكر أن ما كان منها لغوا فهو لا يؤاخذ به لأنه مما لا يقصد به حقيقة اليمين وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد، وهذا أحسن مما يفسر به اللغو لأنه تعالى جعل مقابلة ما كسبه القلب وهو ما له فيه اعتماد وقصد – البحر المحيط 2 / 179.
[10387]:العبارة من هنا إلى "أسلفه إليه"ليست في ظ.
[10388]:من م ومد، وفي الأصل: يعافيكم.
[10389]:من م ومد، وفي الأصل: حقيقة.
[10390]:من م وظ ومد، وفي الأصل: تكرر.
[10391]:وذكر أبو حيان الأندلسي: في البحر المحيط 2 / 175: اللغو ما يسبق به اللسان من غير قصد – قاله الفراء، وهو ماخوذ من قولهم لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل: لغو، ويقال: لغا يلغو لغوا ولغى يلغي لغا، وقال ابن المظفر: تقول العرب: اللغو واللاغية واللواغي واللغوي، وقال ابن الأنباري: اللغو عند العرب ما يطرح من الكلام استغناء عنه ويقال هو ما لا يفهم لفظه، يقال: لغا الطائر يلغو صوت، ويقال: لغا بالأمر لهج به يلغا، ويقال: اشتق من هذا اللغة.
[10392]:أي باليمين التي للقلب فيها كسب فكل يمين عقدها القلب فهي كسب له ولذلك فسر مجاهد الكسب بالعقد كآية المائدة "بما عقدتم" الأيمان" وقال ابن عباس والنخعي: هو أن يحلف كاذبا أو على باطل وهي الغموس- البحر المحيط 2 / 180.
[10393]:في ظ: فيؤخذ.
[10394]:في م: عن.
[10395]:العبارة من هنا إلى "سبقت" ساقطة من ظ.
[10396]:زيد من م ومد.
[10397]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[10398]:من م ومد، وفي الأصل: معالجة.
[10399]:جاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الأيمان، وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة وإطماع في سعة رحمته لأن من وصف نفسه بكثرة الغفران والصفح مطموع في ما وصف به نفسه فهذا الوعيد الذي يكره تعالى مقيد بالمسيئة كسائر وعيده تعالى – البحر المحيط 2 / 180.
[10400]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الاحتمال.
[10401]:من م وظ، وفي الأصل وم: للأدنى.
[10402]:ليس في مد.
[10403]:وقال الأندلسي: في البحر المحيط 2 / 170: الحليم الصفوح عن الذنب مع القدرة على المؤاخذة به، يقال: حلم الرجل يحلم حلما وهو حليم...ويقال: حلم الأديم يحلم حلما إذا تنقب وفسد، قال: فإنك والكتاب إلى على كدابغه وقد حلم الأديم.