الأولى-هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ، أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء . وقيل للأزواج . والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال " وأنكحوا " بغير همز ، وكانت الألف للوصل . وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ، وهو قول أكثر العلماء . وقال أبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز . وقد مضى هذا في " البقرة " {[11928]} مستوفى .
الثانية-اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال : فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه . وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم . وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح . وقال مالك وأبو حنيفة : هو مستحب . تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب .
وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : ( من رغب عن سنتي فليس مني ) .
الثالثة-قوله تعالى : " الأيامى منكم " أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ، واحدهم أيم . قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم . واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ، حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما . تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا وامرأة سفعاء{[11929]} الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة ) . وقال الشاعر :
فإن تنكحي أنكحْ وإن تَتَأَيَّمِي *** وإن كنتُ أفتى منكم أَتَأيَّمُ
ويقال : أَيِّم بيّن الأَيْمَة . وقد آمت هي ، وإمْت أنا . قال الشاعر :
لقد إِمْتُ حتى لامني كلُّ صاحب *** رجاءً بسلمى أن تئِيم كما إِمْتُ
قال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ، وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال . وقال أمية بن أبي الصلت :
لله دَرُّ بنِي عل***يّ أيِّم منهم وناكحْ
وقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " [ النور : 3 ] . وقد بيناه في أول السورة والحمد لله .
الرابعة-المقصود من قوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم " الحرائر والأحرار ، ثم بين حكم المماليك فقال : " والصالحين من عبادكم وإمائكم " . وقرأ الحسن " والصالحين من عبيدكم " ، وعبيد اسم للجمع . قال الفراء : ويجوز " وإماءكم " بالنصب ، يرده على " الصالحين " يعني الذكور والإناث ، والصلاح الإيمان . وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ، كما قال " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " [ النور : 33 ] . ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب واستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير .
الخامسة-أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما . قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا . وروي نحوه عن الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح . وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب . تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ، فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها . هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده . ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع . والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد .
السادسة- قوله تعالى : " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ، " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " . وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه . وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ، وتلا هذه الآية . وقال عمر رضي الله عنه : عجبي ممن لا يطلب الغني في النكاح ، وقد قال الله تعالى : " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " . وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا . ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء ) . أخرجه ابن ماجه في سننه . فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ، قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد . وقد قيل : يغنيه ، أي يغني النفس . وفي الصحيح ( ليس الغنى عن كثرة العرض{[11930]} إنما الغنى غنى النفس ) . وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى . وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ، كقوله تعالى : " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " {[11931]} [ الأنعام : 41 ] ، وقال تعالى : " يبسط الرزق لمن يشاء " {[11932]} [ الشورى : 12 ] . وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنى .
السابعة-هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله . وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه ، وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ، قاله علماؤنا . وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : " يغنهم الله " ولم يقل يفرق . وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا . فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ، قال الله تعالى : " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " {[11933]} [ النساء : 130 ] . ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها .
ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنا وأسبابه ، فحكم وقرر ، ووعظ وحذر ، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون على التوبة فقال مرشداً : { وأنكحوا الأيامى } مقلوب أيايم جمع أيم ، وزن فعيل من آم ، عينه ياء ، وهو العزب ذكراً كان أو أنثى ثيبا أو بكراً { منكم } أي من أحراركم ، وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن درجة النكاح { والصالحين } أي للنكاح { من عبادكم وإمائكم } أي أرقائكم الذكور والإناث ، احتياطاً لمصالحهم وصوناً لهم عن الفساد امتثالاً لما ندب إليه حديث " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة " .
ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها ، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق ، أجاب من كأنه قال : قد يكون الإنسان غير قادر لكونه معدماً ، بقوله : { إن يكونوا } أي كل من ذكر من حر أو عبد ، والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة { فقراء } أي من المال { يغنهم الله } أي الذي له الكمال كله ، إذا تزوجوا { من فضله } لأنه قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم ، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى . وقال البغوي : قال عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح - وقرأ هذه الآية . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : التمسوا الغنى في النكاح ، وتلا هذه الآية _رواه ابن جرير . ولأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه : " ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله " ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتماً من حديد .
ولما كان التقدير : فالله ذو فضل عظيم ، عطف عليه قوله : { والله } أي ذو الجلال والإكرام { واسع عليم* } أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على يد الزوج ، وبشمول علمه يسبب أسبابه .