الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (139)

عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح ، وحثهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم . " ولا تحزنوا " على ظهورهم ، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة . " وأنتم الأعلون " أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر " إن كنتم مؤمنين " أي بصدق وَعْدِي . وقيل : " إن " بمعنى " إذ " . قال ابن عباس : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين ، يريد أن يعلو عليهم الجبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا يعلُنّ علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر ) . فأنزل الله هذه الآيات . وثاب{[3522]} نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ، فذلك قوله تعالى : " وأنتم الأعلون " يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد . فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم ، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت . وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه ؛ لأنه قال لموسى : " إنك أنت الأعلى " {[3523]} [ طه : 68 ] وقال لهذه الأمة : " وأنتم الأعلون " . وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي ، وقال للمؤمنين : " وأنتم الأعلون " .


[3522]:- في حأ و ا: بات.
[3523]:- راجع جـ11 ص 223.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (139)

ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم{[19245]} عما يعوق{[19246]} عنها من قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره : فتبينوا{[19247]} واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين ، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من أهل الباطل وإن كان{[19248]} لهم دول وصولات ومكر وحيل - : { ولا تهنوا } أي في جهاد أعدائكم الذين{[19249]} هم أعداء الله ، فالله معكم عليهم ، وإن ظهروا يوم أحد{[19250]} نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر ، { ولا تحزنوا } : أي على ما أصابكم منهم ولا على{[19251]} غيره مما عساه ينوبكم { و } الحال أنكم { أنتم الأعلون } : أي في الدارين { إن كنتم مؤمنين * } : أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي{[19252]} عن الله - لكم صفة راسخة ، فإنهم لا يهنون ؛ لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم ، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل ، ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق{[19253]} الملكَ الكبير لمن قتل{[19254]} ، والنصر و{[19255]}التوزر لمن بقي ، وهو{[19256]} حي قيوم ، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فهو ناصركم وخاذلكم ، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وهم في النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد{[19257]} أبداً .


[19245]:من ظ، وفي ا لأصل: نهاها.
[19246]:من ظ، وفي الأصل: يفرق.
[19247]:في ظ: فتثبوا.
[19248]:في ظ: كانت.
[19249]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[19250]:من ظ، وفي الأصل: واحدا. زيد من ظ.
[19251]:زيد من ظ.
[19252]:من ظ، وفي الأصل: سيأتي.
[19253]:سقط من ظ.
[19254]:في ظ: قبل.
[19255]:من ظ، وفي الأصل: هي.
[19256]:وإلى هنا انتهى الانطماس من نسخة مد.
[19257]:في ظ: نهم.