الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

قوله تعالى : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " القرح الجرح . والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ، مثل عَقْر{[3524]} وعُقْر . الفراء : هو بالفتح الجُرح ، وبالضم ألَمُه . والمعنى : إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله . وقرأ محمد بن السميقع " قَرَح " بفتح القاف والراء على المصدر . " وتلك الأيام نداولها بين الناس " قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم ، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون . وقيل : " نداولها بين الناس " من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر . والدُّولَة الكرة ، قال الشاعر :

فيوم لنا ويوم علينا *** ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر

قوله تعالى : " وليعلم الله الذين آمنوا " معناه ، وإنما كانت هذه المداولة ليُرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ، كما قال : " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين . وليعلم الذين نافقوا " {[3525]} [ آل عمران : 166 - 167 ] . وقيل : ليعلم صبر المؤمنين ، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم . وقد تقدم في " البقرة " {[3526]} هذا المعنى .

قوله تعالى :{ ويتخذ منكم شهداء } فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليُقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت{[3527]} دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " {[3528]} [ التوبة : 111 ] الآية . وقوله : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم " إلى قوله : " ذلك الفوز العظيم " {[3529]} [ الصف : 10 - 11 - 12 ] وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة ) . وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : ( كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ) . وفي البخاري : " من قتل من المسلمين يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر{[3530]} بن أنس ومصعب بن عمير ، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار . قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . قال : وكان بئر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب . وقال أنس : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .

الثانية : في قوله تعالى : " ويتخذ منكم شهداء " دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة ؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه ؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : " ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم " {[3531]} [ التوبة : 46 ] . وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا .

الثالثة : روي عن{[3532]} علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له : ( خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن . فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل . " والله لا يحب الظالمين " أي المشركين ، أي وإن أنال{[3533]} الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم ، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .


[3524]:- في الأصول: "قفر وقفر" وهو تحريف.
[3525]:- راجع ص 265 من هذا الجزء.
[3526]:- راجع جـ2 ص 156.
[3527]:- في ب، د، هـ: أحضرت.
[3528]:- راجع جـ8 ص 266.
[3529]:- راجع جـ18 ص 86.
[3530]:- الذي في شرح القسطلاني على صحيح البخاري: "وأنس بن النضر، وهو عم أنس بن مالك كما ذكره أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما، ولأبي ذر "النضر بن أنس" وهو خطأ، والصواب الأول".
[3531]:- راجع جـ8 ص 156.
[3532]:- في ب و د و هـ: روى علي.
[3533]:- في هـ و د: أدال.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (140)

ولما نهاهم{[19258]} عما تقدم{[19259]} وبشرهم{[19260]} سلاهم وبصرهم{[19261]} بقوله : { إن يمسسكم قرح } أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم { فقد مس القوم } أي الذين لهم من قوة{[19262]} المحاولة ما قد علمتم ، أي{[19263]} في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر { قرح مثله } أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه{[19264]} في يوم بدر ، على أنه كما أنه ظفرهم{[19265]} - بعدما أصابهم وأنكأهم {[19266]}يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم ، ويوم أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه ، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه ، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق ، ترجون من الله ما لا يرجون ، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر{[19267]} { وتلك الأيام } ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد ، وكانت إنما تعظم بعظم{[19268]} أحوالها ذكر الحال المنبه{[19269]} عليها بقوله : { نداولها بين الناس } أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى .

ولما كان التقدير : ليدال على من كانت له الدولة ، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله : { وليعلم الله } أي المحيط بجميع الكمال { الذين آمنوا } أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم ، ومعنى { ليعلم } أنه{[19270]} يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز{[19271]} ما يعلمه غيباً{[19272]} إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم{[19273]} { ويتخذ منكم شهداء } أي{[19274]} بأن يجعل{[19275]} قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة ، لا غيبة{[19276]} فيها ، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم{[19277]} بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا{[19278]} مشهوداً{[19279]} عليهم أصلاً بفتنة في{[19280]} قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا{[19281]} بخوف ولا صعق{[19282]} ولا غيره ، فإن الله يحب المؤمنين ، وليعلم{[19283]} الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء { والله } أي الملك الأعلى { لا يحب الظالمين * } أي الذين يخالف فعلهم قولهم ، فهو لا يستشهدهم{[19284]} ، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم ، وفيه{[19285]} بشارة{[19286]} في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب ، لئلا يحزنوا على ما أصابهم ، ونذارة في تأديب بأنهم ما خذلوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره{[19287]} بحفظه ، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو ، والآية من الاحتباك : إثبات{[19288]} الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً .


[19258]:في ظ: نهم.
[19259]:في ظ: يقدم، وفي مد: تقدم ـ كذا.
[19260]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[19261]:من ظ ومد، وفي الأصل: بصره.
[19262]:من مد، وفي الأصل وظ: القوة.
[19263]:سقط من مد.
[19264]:زيد من مد.
[19265]:من ظ ومد، وفي الأصل: ظفره.
[19266]:في ظ: في.
[19267]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحد.
[19268]:في مد: بعظمة.
[19269]:من ظ ومد، وفي الأصل: المثبه ـ كذا.
[19270]:من ظ ومد، وفي الأصل: أن.
[19271]:في ظ: بين.
[19272]:في ظ: عينا.
[19273]:من مد، وفي الأصل وظ: بينكم.
[19274]:زيد من مد.
[19275]:في ظ: يحل.
[19276]:من ظ، وفي الأصل: عينه، وفي مد: غنية.
[19277]:من مد، وفي الأصل: الكرامة، وفي ظ: إكرامه.
[19278]:في ظ: لا تكونوا.
[19279]:من مد، وفي الأصل وظ: شهودا.
[19280]:زيد من مد.
[19281]:من مد، وفي الأصل وظ: لا تفعلوا.
[19282]:من ظ ومد، وفي الأصل: ضعف.
[19283]:من ظ، وفي الأصل ومد: ويعلم.
[19284]:في ظ: لا استشهدهم.
[19285]:زيد من ظ ومد.
[19286]:من ظ ومد، وفي الأصل: بشارهم.
[19287]:من ظ ومد، وفي الأصل: الكرة.
[19288]:في ثبات.