البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (139)

وهن الشيء ضعف ، ووهنه الشيء أضعفه .

يكون متعدياً ولازماً .

وفي الحديث : « وهنتهم حمى يثرب والوهن » والوهن الضعف .

وقال زهير :

فأصبح الحبل منها واهناً خلقا ***

{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .

لمّا انهزَم مَن انهزم من المؤمنين أقبل خالدٌ يريد أنْ يعلوَ الجبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك » فنزلت قاله : ابن عباس .

وزاد الواقدي : أنّ رماة المسلمين صعدوا الجبل ورموا بحبل المشركين حتى هزموهم ، فذلك قوله : { وأنتم الأعلون } .

وقال القرطبي : وأنتم الغالبون بعد أحد ، فلم يخرجوا بعد ذلك إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه السلام ، وفي كل عسكر كان بعدُ ولو لم يكن فيه إلاّ واحدٌ من الصحابة .

وقال الكلبي : نزلت بعد أحد حين أمروا بطلب القوم مع ما أصابهم من الجراح .

وقال : لا يخرج إلاّ من شهد معنا أمس ، فاشتدّ ذلك على المسلمين فنزلت .

نهاهم عن أن يضعفوا عن جهاد أعدائهم ، وعن الحزن على من استشهد من إخوانهم ، فإنّهم صاروا إلى كرامة الله قاله : ابن عباس .

أو لأجل هزيمتهم وقتلهم يوم أحد قاله : مقاتل .

أو لما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من شجّه وكسر رباعيته ذكره : الماوردي .

أو لما فات من الغنيمة ذكره : أحمد النيسابوري .

أو لمجموع ذلك .

وآنسهم بقوله : وأنتم الأعلون ، أي الغالبون وأصحاب العاقبة .

وهو إخبار بعلو كلمة الإسلام قاله : الجمهور ، وهو الظاهر .

وقيل : { أنتم الأعلون } ، أي قد أصبتم ببدر ضعف ما أصابوا منكم بأحد أسراً وقتلاً فيكونُ وأنتم الأعلون نصباً على الحال ، أي لا تحزنوا عالين أي منصورين على عدوكم انتهى .

وأما كونُه من علوهم الجبل كما أشير إليه في سبب النزول فروي ذلك عن ابن عباس وابن جبير .

قال ابن عطية : ومن كرم الخلق أن لا يهن الإنسان في حربه وخصامه ، ولا يلين إذا كان محقاً ، وأن يتقصى جميع قدرته ، ولا يضرع ولو مات .

وإنما يحسن اللين في السلم والرضا ، ومنه قوله عليه السلام : « المؤمن هين لين والمؤمنون هينون لينون » وقال منذر بن سعيد : يجب بهذه الآية ألا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة وشوكة ، فإن كانوا في قطر مّا على غير ذلك فينظر الإمام لهم في الأصلح انتهى .

وفي قوله : وأنتم الأعلون دلالة على فضيلة هذه الأمة ، إذ خاطبهم مثل ما خاطب موسى كليمه صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه ، إذ قال له : لا تخف إنك أنت الأعلى .

وتعلق قوله : إن كنتم مؤمنين بالنهي ، فيكون ذلك هزاً للنفوس يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله ، وقلة المبالاة بالأعداء .

أو بالجملة الخبرية : أي إنْ صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة .

ويكون شرطاً على بابه يحصل به الطعن على من ظهر نفاقه في ذلك اليوم ، أي : لا تكون الغلبة والعلو إلا للمؤمنين ، فاستمسكوا بالإيمان .

/خ141