الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

فيه مسألتان :

الأولى : قال ابن عباس : نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء ، ومثله " لا تتخذوا بطانة من دونكم " {[2991]} [ آل عمران 118 ] وهناك يأتي بيان هذا المعنى . ومعنى " فليس من الله في شيء " أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء ، مثل " واسأل القرية " {[2992]} [ يوسف : 82 ] . وحكى سيبويه " هو مني فرسخين " أي من أصحابي ومعي . ثم استثنى وهي :

الثانية : فقال : " إلا أن تتقوا منهم تقاة " قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين ، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم . قال ابن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يقتل ولا يأتي مأثما . وقال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقية في القتل . وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : " إلا أن تتقوا منهم تقية " وقيل : إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم{[2993]} باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم . ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب{[2994]} إلى التلفظ بكلمة الكفر ، بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في " النحل " {[2995]} إن شاء الله تعالى . وأمال حمزة والكسائي " تقاة " ، وفخم الباقون ، وأصل " تقاة " وُقَيَة على وزن فعلة ، مثل تؤدة وتهمة ، قلبت الواو تاء والياء ألفا . وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا ، وكان له حلف من اليهود ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله ، إن معي خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو . فأنزل الله تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " الآية . وقيل : إنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون ، على ما يأتي بيانه في " النحل ] .

قوله تعالى : " ويحذركم الله نفسه " قال الزجاج : أي ويحذركم الله إياه . ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل ، قال تعالى : " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " {[2996]} [ المائدة : 116 ] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك . وقال غيره : المعنى ويحذركم الله عقابه ، مثل " واسأل القرية " . وقال : " تعلم ما في نفسي " أي مغيبي ، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون . " وإلى الله المصير " أي وإلى جزاء الله المصير . وفيه إقرار بالبعث .


[2991]:- راجع ص 178 من هذا الجزء.
[2992]:- راجع جـ8 ص 246.
[2993]:- في ز: أن يداهنهم.
[2994]:- في ب و ز: ولا يجب التلفظ.
[2995]:- راجع جـ10 ص 180.
[2996]:- راجع جـ6 ص 376.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره ، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه ، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض{[16087]} الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين{[16088]} من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما{[16089]} قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا{[16090]} أوشكت{[16091]} إحداهما أن تغلب على الأخرى{[16092]} فتنزعها ، فقال تعالى منبهاً على ذلك كله سائقاً مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي : ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر{[16093]} على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره ، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وأظهر{[16094]} إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج ، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد{[16095]} على النفس الأبواب التي منها تتوهم{[16096]} الحاجة إلى الخلق ؛ نهى المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة{[16097]} بعض كفرة{[16098]} أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم ، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء ، والكافرون يتسمعون{[16099]} ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى : { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم{[16100]} }[ آل عمران : 119 ] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته{[16101]} فقال{[16102]} تعالى : { لا يتخذ المؤمنون } أي الراسخون في الإيمان ، وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال :

{ الكافرين أولياء } ونبه بقوله : { من دون المؤمنين } على أن ولاية أوليائه من ولايته ، وأن{[16103]} المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد ، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام :

" المؤمن للمؤمن{[16104]} كالبنيان يشد بعضه بعضاً " فأقواهم له ركن ، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي ، فإذا والاه قوى به{[16105]} مما{[16106]} يباطنه ويصافيه{[16107]} ، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين ، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم{[16108]} سباب{[16109]} الجاهلية كما{[16110]} في قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين{[16111]} }[ آل عمران : 100 ] وكما قال سبحانه وتعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين{[16112]} }[ آل عمران :149 ] ، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين ، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري{[16113]} مجرى المعاملة من البيع والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل{[16114]} الدين ، ولا يضرهم أن يباروا{[16115]} من لم يحاربهم{[16116]} من الكافرين - انتهى .

{[16117]}ولما كان التقدير : فمن{[16118]} تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم ، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيباً لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله : { ومن يفعل ذلك } أي{[16119]} هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداد بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق { فليس من الله } أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له { في شيء } قال الحرالي : ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين{[16120]} إذا رؤوا{[16121]} ذكر الله - انتهى .

ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً{[16122]} مجزوماً به ، {[16123]}لا كما{[16124]} خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب{[16125]} ، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب{[16126]} في{[16127]} مكاشرتهم{[16128]} وتعزز{[16129]} لمكابرتهم ومكاثرتهم ، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم ! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم{[16130]} على عدوه ، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم

{ ويحذركم الله } أي الملك الأعظم { نفسه } فإنه عالم بما تفعلونه{[16131]} . وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل ، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم . وموجود النفس ما تنفس ، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها ، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني ، ويكفيه فلا يكتفي ويريه{[16132]} مصارف{[16133]} سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها ، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها ، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب ، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه{[16134]} فعرفه ، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه{[16135]} فأنكره - انتهى .

ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره : فمن الله المبدأ : - وقال الحرالي : ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك{[16136]} الاعتماد عليه{[16137]} أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله ، فلا يستطيع{[16138]} الثبات عليه عند{[16139]} ما تناله{[16140]} الإزالة{[16141]} والإذهاب{[16142]} ، ويصير الأمر كله لله ، فأعلم أن المصير{[16143]} المطلق إلى الله سبحانه وتعالى ، فمن تعرف إليه{[16144]} فعرفه نال{[16145]} أعظم النعيم ، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى ؛ فقال - : { وإلى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { المصير * } أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه .


[16087]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بلخص.
[16088]:ن ظ، وفي الأصل ومد: المومنون.
[16089]:ي ظ: بما.
[16090]:يد من ومد.
[16091]:من ظ ومد، وفي الأصل: وسكت.
[16092]:ي ظ: الآخر.
[16093]:ي ظ: يظهر.
[16094]:ي ظ: إظهار.
[16095]:ن ظ ومد، وفي الأصل: فشد.
[16096]:ي ظ: تتولهم.
[16097]:ن ظ، وفي الأصل: بباطنه، وفي مد: بمباضة ـ كذا.
[16098]:ن ظ ومد، وفي الأصل: كفره.
[16099]:يد في ظ: بنا وصوتهم بصفا والكافرون.
[16100]:ورة 3 آية 119.
[16101]:يد بعده في الأصل: عليهم كما، ولم تكن الزيادة في ظ و مد فحذفناها.
[16102]:ن ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[16103]:من ظ ومد، وفي الأصل: إنما.
[16104]:زيد من ظ ومد.
[16105]:قط من ظ.
[16106]:ن مد، وفي الأصل وظ: بما.
[16107]:ي ظ: يعافيه.
[16108]:ي ظ: إليهم.
[16109]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أسباب.
[16110]:يد من مد.
[16111]:ورة 3 آية 100.
[16112]:ورة 3 آية 149.
[16113]:ي ظ: تجري.
[16114]:ي ظ: أصل.
[16115]:ي ظ: ينادوا.
[16116]:ن ظ ومد، وفي الأصل: يجازيهم.
[16117]:تكرر في الأصل ومد.
[16118]:كرر في الأصل ومد.
[16119]:قط من ظ.
[16120]:ي ظ: الدين.
[16121]:ي ظ: ووا.
[16122]:ي ظ: خطر.
[16123]:قط من ظ.
[16124]:قط من ظ.
[16125]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لها طب ـ كذا.
[16126]:قط من ظ ومد.
[16127]:يد من ظ ومد.
[16128]:ي ظ: مكاثرتهم.
[16129]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تعزر.
[16130]:ن مد، وفي الأصل وظ: إقباله.
[16131]:ي ظ: يفعلونه.
[16132]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بريه ـ كذا.
[16133]:قط من ظ.
[16134]:سقطت من ظ.
[16135]:قطت من ظ.
[16136]:ي ظ: يترك.
[16137]:يد من ظ ومد.
[16138]:من ظ ومد، وفي الأصل: تستطيع.
[16139]:من ظ ومد، وفي الأصل: عن ز ـ كذا.
[16140]:في ظ: يناله.
[16141]:زيد من ظ ومد.
[16142]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الأذهان.
[16143]:في ظ: الأصير.
[16144]:في ظ: تعرفه قال.
[16145]:في ظ: تعرفه قال.