الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا} (47)

قوله تعالى : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا " قال ابن إسحاق : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبدالله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم : ( يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد . وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها " إلى آخر الآية .

قوله تعالى : " مصدقا لما معكم " نصب على الحال . " من قبل أن نطمس وجوها " الطمس استئصال أثر الشيء ، ومنه قوله تعالى : " فإذا النجوم طمست{[4542]} " [ المرسلات : 8 ] . ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان . ويقال في الكلام : طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس ، يقال : طمس الأثر وطسم أي أمحى ، كله لغات ؛ ومنه قوله تعالى : " ربنا اطمس على أموالهم{[4543]} " [ يونس : 88 ] أي أهلكها ؛ عن ابن عرفة . ويقال : طمسته فطمس لازم ومتعد . وطمس الله بصره ، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين ؛ ومنه قوله تعالى : " ولو نشاء لطمسنا على أعينهم{[4544]} " [ يس : 66 ] يقول أعميناهم . واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا ، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين . أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان . روي عن أبي بن كعب أنه قال : " من قبل أن نطمس " من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده . يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة . وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء . أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب ؛ هذا معناه عند أهل اللغة . وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا ، فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى . وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا " فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال : والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي . وكذلك فعل عبدالله بن سلام ، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول الله ، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي . فإن قيل : كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا{[4545]} ولم يفعل ذلك بهم ، فقيل : إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين . وقال المبرد : الوعيد باق منتظر . وقال : لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة .

قوله تعالى : " أو نلعنهم " أي أصحاب الوجوه " كما لعنا أصحاب السبت " أي نمسخهم قردة وخنازير ، عن الحسن وقتادة . وقيل : هو خروج من الخطاب إلى الغيبة " وكان أمر الله مفعولا " أي كائنا موجودا . ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول ، فالمعنى أنه متى أراده أوجده . وقيل : معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به .


[4542]:راجع ج 19 ص 152.
[4543]:راجع ج 8 ص 373.
[4544]:راجع ج 15 ص 48.
[4545]:في ج.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا} (47)

ولما بكتهم على {[21615]}فعلهم وقولهم{[21616]} وصرح بلعنهم ، خوَّفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلاً عليهم إقبال الغضب : { يا أيها الذين } منادياً لهم من محل البعد { أوتوا الكتاب } ولم يسند الإيتاء إليه تحقيراً لهم ، ولم يكتف بنصيب{[21617]} منه لأنه لا يكفي{[21618]} في العلم بالمصادقة إلا الجميع { آمنوا بما نزلنا } أي تدريجاً كما{[21619]} نزلنا التوراة كذلك ، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه ؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله : { مصدقاً لما معكم } من حيث أنهم له مستحضرون ، وبه{[21620]} في حد ذاته مُقِرّون .

ولما أمرهم وقطع حجتهم ، حذرهم فقال - مخففاً عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم - : { من قبل أن نطمس } أي نمحو { وجوهاً } فإن الطمس في اللغة : المحو ؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات ، ثم سبب عن ذلك قوله : { فنردها } فالتقدير : من قبل أن نمحو أثر وجوه{[21621]} بأن نردها { على أدبارها } أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل{[21622]} من الرأس إلى جهة الدبر ، وما إلى الدبر إلى جهة القبل{[21623]} مع إبقاء صورة الوجه على ما هي عليه ، أو{[21624]} يكون المراد بالرد على الدبر النقل{[21625]} من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال القفا ، ليس فيها معلم من فم ولا غيره ، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني ؛ قال ابن هشام : نطمس : نمسحها{[21626]} فنسويها ، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه ، وكذلك{ فطمسنا أعينهم{[21627]} }[ القمر : 37 ] المطموس العين : الذي ليس بين جفنيه شق{[21628]} ، ويقال : طمست الكتاب والأثر{[21629]} فلا يرى منه شيء . ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته ؛ ثم خوفهم نوعاً آخر من الطمس فقال عاطفاً على ( نردها ) : { أو نلعنهم } أي نبعدهم جداً عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة القردة{[21630]} { كما لعنا أصحاب السبت } إذ قلنا لهم

{ كونوا قردة خاسئين{[21631]} }[ البقرة : 65 ] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة ، فهو إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه ، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء{[21632]} ، فيكون عود الضمير إليه استخداماً ، ويكون المراد بالرد على الأدبار{[21633]} جعلهم أدنياء صغرة{[21634]} من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم .

ولما كان ذلك أمراً غريباً ومقدوراً عجيباً ، وكان التقدير : فقد كان أمر الله فيهم بذلك - كما علمتم - نافذاً ؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة ، وأن وجوه مقدوراته لا تنحصر ، فقال عاطفاً على ما قدرته : { وكان أمر الله } أي حكمه{[21635]} وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره ، لأن له العظمة التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها { مفعولاً * } أي كائناً حتماً ، لا تخلف{[21636]} له أصلاً ، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا ، وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم يؤمنوا ، لأنه قد وقع منهم إيمان .


[21615]:من ظ ومد، وفي الأصل: قولهم وفعلهم.
[21616]:من ظ ومد، وفي الأصل: قولهم وفعلهم.
[21617]:من ظ ومد، وفي الأًصل: نصيب.
[21618]:في ظ: لا يلقى.
[21619]:من ظ ومد، وفي الأصل: لما.
[21620]:زيد من ظ ومد.
[21621]:من ظ ومد، وفي الأصل: وجوده.
[21622]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21623]:سقط ما بين ا لرقمين من ظ.
[21624]:في ظ "و".
[21625]:من ظ ومد، وفي الأصل: القبل.
[21626]:سقط من ظ.
[21627]:سورة 54 آية 37.
[21628]:من ظ وسيرة ابن هشام 1/203، وفي الأصل ومد: شيء ـ كذا.
[21629]:في ظ: الأثري.
[21630]:من ظ ومد، وفي الأصل: القرد.
[21631]:سورة 2 آية 65.
[21632]:من ظ ومد، وفي الأصل: أوجها ـ كذا.
[21633]:زيدت الواو بعده في ظ.
[21634]:من ظ ومد، وفي الأصل: صغيرة.
[21635]:من مد، وفي الأصل وظ: حكمة.
[21636]:في ظ: لا يخلف.