الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

قوله تعالى : " من الذين هادوا " قال الزجاج : إن جعلت " من " متعلقة بما قبل فلا يوقف على قول " نصيرا " ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على " نصيرا " والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، ثم حذف . وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد النحويون :

لو قلت ما في قومها لم تِيثَمِ{[4537]} *** يفضُلها في حسب ومَبْسِمِ

قالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها ، ثم حذف . وقال الفراء : المحذوف " من " المعنى : من الذين هادوا من يحرفون . وهذا كقوله تعالى : " وما منا إلا له مقام معلوم " {[4538]} [ الصافات : 164 ] أي من له . وقال ذو الرمة :

فظلوا ومنهم دمعه سابق{[4539]} له *** وآخر يُذْرِي{[4540]} عَبْرَةَ العين بالهَمْلِ

يريد ومنهم من دمعه ، فحذف الموصول . وأنكره المبرد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة . " يحرفون " يتأولونه على غير تأويله . وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين . وقيل : " عن مواضعه " يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم . " ويقولون سمعنا وعصينا " أي سمعنا قولك وعصينا أمرك . " واسمع غير مسمع " قال ابن عباس : كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت ، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى . وقال الحسن ومجاهد : معناه غير مسمع منك ، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول . قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك . وتقدم القول في " راعنا " {[4541]} . ومعنى " ليا بألسنتهم " أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم . وأصل اللي الفتل ، وهو نصب على المصدر ، وإن شئت كان مفعولا من أجله . وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء . " وطعنا " معطوف عليه أي يطعنون في الدين ، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه ، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته ، ونهاهم عن هذا القول . ومعنى " أقوم " أصوب لهم في الرأي . " فلا يؤمنون إلا قليلا " أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان . وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم ؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم .


[4537]:تيثم (بكسر التاء): وهي لغة لبعض العرب، وذلك أنهم يكسرون حروف المضارعة في نحو نعلم وتعلم، فلما كسروا التاء انقلبت الهمزة ياء. والمبسم (بوزن المجلس)" الثغر.
[4538]:راجع ج 15 ص 137.
[4539]:في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب.
[4540]:في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب.
[4541]:راجع ج 2 ص 57.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين{[21580]} هؤلاء الذين يريدون الإضلال ، قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به : { من الذين هادوا } ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون استئنافاً بمعنى : بعضهم ، أو منهم من{[21581]} - : { يحرفون الكلم } {[21582]}أي الذي{[21583]} أتى به شرعهم من صفة النبي الأمي{[21584]} صلى الله عليه وسلم وصفه دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون{[21585]} تحريفه لغرض ، فيتألفون{[21586]} في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد{[21587]} آخر مجاوزين به { عن } ولما كانت الكلمة {[21588]}إذا غيرت{[21589]} تبعها الكلام وهو المقصود بالذات ، نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال : { مواضعه } أي التي هي به{[21590]} أليق ، فيتم ضلالهم وإضلالهم ، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه بعيداً عن المغير أو{[21591]} قريباً ، فالذي في المائدة أخص .

ولما كان سبحانه وتعالى عالماً بجميع تحريفهم ، أشار إليه بالعطف على ما تقديره : فيقولون كذا {[21592]}ويقولون كذا{[21593]} : { ويقولون سمعنا } أي ما تقول{[21594]} { وعصينا } موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديماً ، وإنما يريدون أنهم هم سمعوا {[21595]}ما تقول{[21596]} وخالفوه عمداً ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في المخالفة بسبب ما عندهم من العلم الرباني ليورثه ذلك شكاً في أمره وحيرة في شأنه { واسمع } حال كونك { غير مسمع } موهمين عدم إسماعه ما يكره{[21597]} من قولهم : فلان أسمع فلاناً{[21598]} الكلام ، وإنما يريدون الدعاء ، كما يقال : اسمع لا سمعت ! { وراعنا } موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم ، وإنما يريدون الشتم بالرعونة ؛ وقال الأصفهاني : ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون{[21599]} بها وهي : راعينا ، فكانوا - سخرية بالدين وهزءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم - يكلمونه بكلام محتمل ، ينوون به الشتيمة{[21600]} والإهانة ويظهرون التوقير والإكرام ، ولذلك قال : { ليّاً بألسنتهم } أي صرفاً لها عن مخارج الحروف التي تحق{[21601]} لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب بعضها بغيره ، لإرادة معانٍ عندهم قبيحة{[21602]} مع احتمالها لإرادة معانٍ غير تلك يقصدها العرب مليحة { وطعناً في الدين } أي بما يفسرونه به لمن يطمعون{[21603]} فيه من تلك المعاني الخبيثة .

ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة{[21604]} ، بين ما كان عليهم لو وقفوا{[21605]} فقال قاطعاً جدالهم{[21606]} : { ولو أنهم قالوا } أي{[21607]} في الجواب له صلى الله عليه وسلم { سمعنا وأطعنا } أي بدل الكلمة الأولى { واسمع وانظرنا } بدل ما بعدها { لكان } أي هذا القول { خيراً لهم } أي من ذلك ، لعدم{[21608]} استيجابهم الإثم { وأقوم } أي لعدم الاحتمال{[21609]} الذم{[21610]} { ولكن لعنهم الله } أي طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال ، وأبعدهم عن الخير { بكفرهم } أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير ، فلم يقولوا ذلك .

ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال : { فلا يؤمنون } أي يتجدد لهم إيمان { إلا قليلاً * } أي منهم ؛ استثناء من الواو ، فإنهم يؤمنون ، أو{[21611]} هو استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي{[21612]} من إيمانهم ببعض الآيات{[21613]} الذي لا ينفعها{[21614]} لكفرهم بغيره .


[21580]:من ظ ومد، وفي الأصل: تغيير.
[21581]:سقط من ظ.
[21582]:من ظ ومد، وفي الأصل: فالذي.
[21583]:من ظ ومد، وفي الأصل: فالذي.
[21584]:سقط من ظ.
[21585]:في مد: يرون.
[21586]:في ظ: من.
[21587]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحد.
[21588]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21589]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21590]:في ظ: بها.
[21591]:في ظ: أم.
[21592]:سقط بين الرقمين من ظ.
[21593]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21594]:من مد، وفي الأصل: يقولون، وفي ظ: يقول.
[21595]:في ظ: لما يقول.
[21596]:في ظ: لما يقول.
[21597]:من ظ ومد، و في الأصل: يكون.
[21598]:من ظ، وفي الأصل ومد: فلان.
[21599]:من ظ ومد، و في الأصل: يتسامون.
[21600]:في ظ: الشتمة.
[21601]:في الأصل: تحق، وفي ظ: يحق، وفي مد: بحق.
[21602]:من مد، وفي الأصل: يفعلها، وفي ظ: يفعل.
[21603]:في ظ: صوب.
[21604]:سقط من ظ.
[21605]:من ظ، وفي الأصل: وقفوا، وفي مد: وقفوا ـ كذا.
[21606]:في ظ: لجدالهم.
[21607]:سقط من ظ.
[21608]:من مد، وظ وفي الأصل: العدم.
[21609]:في ظ: احتمال.
[21610]:من ظ ومد، وفي الأصل: الخدم.
[21611]:في ظ "و".
[21612]:من ظ ومد، وفي الأصل: أن.
[21613]:في ظ: التي لا تنفعهم.
[21614]:في ظ: التي لا تنفعهم.