الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (49)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود . واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم ، فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وقولهم : " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب . وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة ؛ لأنهم لا ذنوب عليهم . وهذا يبعد من مقصد الآية . وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا . وقال عبدالله بن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض . وهذا أحسن ما قيل ، فإنه الظاهر من معنى الآية ، والتزكية : التطهير والتبرية{[4550]} من الذنوب .

الثانية : هذه الآية وقوله تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم{[4551]} " [ النجم : 32 ] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه ، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له . وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : ( سموها زينب ) . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ، كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك ، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها{[4552]} فصارت لا تفيد شيئا .

الثالثة : فأما تزكية الغير ومدحه له ، ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر ، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك ) . وفي الحديث الآخر ( قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه . وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم ، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ، فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح ، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه . وهذا راجع إلى النيات " والله يعلم المفسد من المصلح " . وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب ، ولا أمر بذلك . كقول أبي طالب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمالُ اليتامى عصمة للأرامل

وكمدح العباس وحسان له في شعرهما ، ومدحه كعب بن زهير ، ومدح هو أيضا أصحابه فقال : ( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي ، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا . وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : " ولا يظلمون فتيلا " الضمير في " يظلمون " عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل . وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية . والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة ، قال ابن عباس وعطاء ومجاهد . وقيل : القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة . وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي : هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما ؛ فهو فعيل بمعنى مفعول . وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره ، وأن الله لا يظلمه شيئا . ومثل هذا في التحقير قوله تعالى : " ولا يظلمون نقيرا{[4553]} " [ النساء : 124 ] وهو النكتة التي في ظهر النواة ، ومنه تنبت النخلة ، وسيأتي . قال الشاعر يذم بعض الملوك :

تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو *** ثم لا ترزأ العدو فتيلا


[4550]:في ز: التنزبه.
[4551]:راجع ج 17 ص 105.
[4552]:في ج: أهلها.
[4553]:راجع ص 399 من هذا الجزء.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (49)

ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين{[21637]} بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل الناس ، وكانوا يقولون : إنهم أهدى الناس ؛ عجب منهم منكراً عليهم بعد افترائهم تزكية أنفسهم فقال : { ألم تر } وأبعدهم بقوله : { إلى الذين يزكون أنفسهم } أي بما{[21638]} ليس لهم من قولهم{ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة{[21639]} }[ البقرة : 80 ] وقولهم{ لن يدخل الجنة لا من كان هوداً أو نصارى{[21640]} }[ البقرة : 111 ] وقوله{[21641]} :{ و{[21642]}يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا }[ آل عمران : 188 ] { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً{[21643]} }[ النساء : 27 ] فإن إبعاد{[21644]} غيرهم في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره .

ولما كان معنى الإنكار : ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا ، أشار{[21645]} إليه بقوله : { بل الله } أي الذي له صفات الكمال { يزكي من يشاء } أي بما له من العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها{[21646]} الأعمال الصالحة ، فإذا زكي أحداً{[21647]} من أصفيائه بشيء{[21648]} كالنبوة ، {[21649]}كان له أن يزكي نفسه بذلك حملاً على ما ينفع الناس به عن الله { ولا } أي والحال أن الذين{[21650]} يزكيهم أو يدسيهم{[21651]} لا{[21652]} { يظلمون فتيلاً * } أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول ، أي قليلاً ولا كثيراً ، لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم ، لأن له صفات الكمال .


[21637]:في ظ: المراد.
[21638]:في ظ: لما.
[21639]:سورة 2 آية 80.
[21640]:سورة 2 آية 111.
[21641]:من ظ ومد، وفي الأصل: قولهم.
[21642]:زيدت الواو من ظ ومد والقرآن المجيد ـ سورة 3 آية 188.
[21643]:سورة 4 آية 27.
[21644]:من ظ ومد، وفي الأصل: العباد.
[21645]:من مد، وفي الأًصل وظ: إشارة.
[21646]:في ظ: لاتساعها.
[21647]:في ظ: لاتساعها.
[21648]:في ظ: أحد.
[21649]:سقط من ظ.
[21650]:زيدت الواو هنا في الأصل ومد، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[21651]:في الأصول: الذي.
[21652]:دسايدسو ودسى يدسى: نقيض نما وزكا، ودسى الرجل: أفسده وأغواه.