الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

و " المقدسة " معناه المطهرة . مجاهد : المباركة ، والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه . قتادة : هي الشام . مجاهد : الطور وما حوله . ابن عباس والسدي وابن زيد : هي أريحاء . قال الزجاج : دمشق وفلسطين وبعض : الأردن . وقول قتادة يجمع هذا كله . " التي كتب الله لكم " أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم . ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا : لا علم لنا بتلك الديار ، فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا ، من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم ، فرأوا سكانها الجبارين من العمالقة ، وهم ذوو أجسام هائلة ، حتى قيل : إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه ، وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال : إن هؤلاء يريدون قتالنا ؛ فقال لهم الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ، على ما تقدم . وقيل : إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل : حمله رجل واحد ، وقيل : حمله النقباء الاثنا عشر .

قلت : وهذا أشبه ، فإنه يقال : إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم ، ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشية ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو أربعة{[5438]} . قلت : ولا تعارض بين هذا والأول ، فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال : في حجره - هو عوج{[5439]} بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا ، على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى . وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل . وقال الكلبي : كان طول كل رجل منهم ثمانين ذراعا ، والله أعلم . فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوفنا ، وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم ، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم .

قوله تعالى : " ولا ترتدوا على أدباركم " أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين . وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته ، والمعنى واحد .


[5438]:قال الألوسي: هذه الأخبار عندي كأخبار "عوج بن عوق" وهي حديث خرافة.
[5439]:عوج بن عناق: هكذا في الأصول. والذي ذكر في القاموس مادة (عوق) "وعوق كنوح والدعوج الطويل ومن قال: عوج بن عنق فقد أخطأ" وقال في شرحه: "هذا الذي خطأه هو المشهور على الألسنة، قال شيخنا: وزعم قوم من حفاظ التواريخ أن عنق هي أم عوج وعوق أبوه فلا خطأ ولا غلط، وفي شعر عرقلة الدمشقي المذكور في بدائع البدائه المتوفى سنة 567 (أعور الرجال يمشي: خلف عوج بن عناق) وهو ثقة عارف. (عن القاموس وشرحه).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

ثم{[24938]} أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها ، فلذلك{[24939]} وصله بما قبله وصل{[24940]} المعلول بالعلة{[24941]} فقال : { يا قوم ادخلوا } عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره{[24942]} { الأرض المقدسة } أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك ، ويبارك فيها ، ثم{[24943]} وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال : { التي كتب الله } أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى { لكم } أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها ، فتحوزوا سعادة الدارين ، وهي بيت المقدس والتي وعد{[24944]} أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون{[24945]} ميراثاً لولده بعد أن جعلها مهاجرة .

ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه ، فقال مشيراً إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا{[24946]} بمعالجة للفطرة الأولى : { ولا ترتدوا }{[24947]} أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها ، وصوَّر لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال{[24948]} : { على أدباركم } ولما جمع بين الأمر والنهي ، خوفهم عواقب العصيان معلماً بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك ، فقال معبراً بصيغة الانفعال{[24949]} : { فتنقلبوا } أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم { خاسرين * } أي بخزي المعصية عند الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين .


[24938]:زيد كي تستقيم العبارة، والعبارة من بعده إلى "معلم بأنه" سقطت من ظ.
[24939]:في ظ: ولذلك.
[24940]:من ظ، وفي الأصل: المفعول بالصلة.
[24941]:من ظ، وفي الأصل: المفعول بالصلة.
[24942]:زيد من ظ.
[24943]:زيد من ظ.
[24944]:من ظ، وفي الأصل: وعدا.
[24945]:في الأصل: تكونوا، وفي ظ: يكون.
[24946]:سقط من ظ.
[24947]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24948]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24949]:زيد من ظ.