قوله تعالى : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه " قال ابن عباس : خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا : لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه ، فنزلت الآية . قال ابن إسحاق : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم ، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ، فأنزل الله عز وجل فيهم " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم " إلى آخر الآية . قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا فبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده ، فأنزل الله عز وجل : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل " إلى قوله : " والله على كل شيء قدير " . السدي : زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكري من الولد . قال غيره : والنصارى قالت نحن أبناء الله ؛ لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى " أذهب إلى أبي وأبيكم " . وقيل : المعنى : نحن أبناء رسل الله ، فهو على حذف مضاف . وبالجملة . فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا ، فرد عليهم قولهم فقال " فلم يعذبكم بذنوبكم " فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين : إما أن يقولوا هو يعذبنا . فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه وأحباءه ، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم تقرون بعذابه ، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ؛ ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم . وقيل : معنى " يعذبكم " عذبكم ؛ فهو بمعنى المضي ، أي فلم مسخكم قردة وخنازير ؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم ؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد ، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا ، بل يحتج عليهم بما عرفوه . ثم قال : " بل أنتم بشر ممن خلق " أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ، ويجازي كلا بما عمل . " يغفر لمن يشاء " أي لمن تاب من اليهود . " ويعذب من يشاء " من مات عليها . " ولله ملك السماوات والأرض " فلا شريك له يعارضه . " وإليه المصير " أي يؤول أمر العباد إليه في الآخرة .
لما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة{[24837]} ، وخص أخرى ، عم بذكر طامة من طوامهم{[24838]} ، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم ، فقال : { وقالت اليهود والنصارى } أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون الخلق أجمعين { نحن أبناؤا الله } أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال { وأحباؤه } أي غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو ، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضاً بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها ، و{[24839]} الذي أورثهم هذه الشبهة{[24840]} - إن لم يكونوا قالوا ذلك عناداً - أن{[24841]} في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام : شعبي بكري{[24842]} ، وقال{[24843]} في أول{[24844]} نبوة موسى عليه السلام{[24845]} - كما ذكرته في الأعراف{[24846]} : وقل لفرعون : هكذا{[24847]} يقول الرب : ابني بكري{[24848]} إسرائيل أرسل{[24849]} ليعبدني ، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ونحو هذا ؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام : افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك ، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران ؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف : إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر ، وقال في البقرة في تفسير
{ بديع السماوات{[24850]} }[ البقرة : 117 ] : أنهم كانوا يطلقون الأب{[24851]} على الله باعتبار أنه السبب الأصلي ، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة ، فلذاك{[24852]} كفر قائله ومنع منه منعاً مطلقاً انتهى{[24853]} . فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال : { قل فلم يعذبكم } أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء{[24854]} بين عطف النبوة وحنو المحبة{[24855]} { بذنوبكم } وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير موطن{[24856]} ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك ، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة{[24857]} فابن{[24858]} الإله لا يكون له ذنب{[24859]} فضلاً عن أن يعذب به ، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب{[24860]} - تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علواً كبيراً ! وإن كان{[24861]} المراد المجاز ، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب ، كان ذلك مانعاً من التعذيب .
ولما كان معنى ذلك أن يعذبكم{[24862]} لأنكم لستم{[24863]} أبناء ولا{[24864]} أحباء ، عطف عليه نقضاً آخر أوضح من الأول فقال : { بل أنتم بشر ممن خلق } وذلك أمر مشاهد ، والمشاهدات من أوضح الدلائل ، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث ، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية ، وهما يمنعان البنوة ، فإن القديم لا يلد بشراً ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوصفين البنوة ، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله ؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما . {[24865]}
ولما كان التقدير : يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه ، وصل به قوله جواباً لمن يقول : و{[24866]} ما هو فاعل بمن خلق ؟ : { يغفر لمن يشاء } أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلاً منه تعالى { ويعذب من يشاء } عدلاً كما تشاهدونه{[24867]} يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين .
ولما كان التقدير : لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره{[24868]} ، عطف عليه قوله نقضاً{[24869]} ثالثاً بما هو أعم مما قبله فقال : { ولله } أي الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له { ملك السماوات } وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى ، وصرح بقوله : { والأرض وما بينهما } أي وأنتم مما بينهما ، وقد اجتمع بذلك مع المُلكِ والإبداعِ المِلكُ و{[24870]} التصريف والتصرف التام ، وذلك هو الغنى المطلق ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء من ولد ولا غيره ، ولا يكون لأحد عليه حق ، ولا يسوغ عليه اعتراض .
ولما كان التقدير : فمنه وحده{[24871]} الابتداء ، عطف عليه قوله : { وإليه } أي وحده { المصير * } أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده ، وحساً في الآخرة ، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض ، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم ، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك{[24872]} ، فإذا كان هذا شأن الملوك في{[24873]} العبيد الناقصين فما ظنك{[24874]} بأحكم الحاكمين ! فإذا{[24875]} عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس{[24876]} الفضل
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.