الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (14)

قوله تعالى : " ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم " أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو مكتوب في الإنجيل . " فنسوا حظا " وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ؛ أي لم يعملوا بما أمروا به ، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم . ومعنى " أخذنا ميثاقهم " هو كقولك : أخذت من زيد ثوبه ودرهمه . قاله الأخفش . ورتبة " الذين " أن تكون بعد " أخذنا " وقيل الميثاق ، فيكون التقدير : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ؛ لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا . وتقديره عند الكوفيين ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه ، فالهاء والميم تعودان على " من " المحذوفة ، وعلى القول الأول تعودان على " الذين " . ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ، ولا ألينها لبست من الثياب ؛ لئلا يتقدم مضمر على ظاهر . وفي قولهم : " إنا نصارى " ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها . روي معناه عن الحسن .

قوله تعالى : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء " أي هيجنا . وقيل : ألصقنا بهم ، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه . يقال : غري بالشيء يغرى غرا " بفتح الغين " مقصورا وغراء " بكسر الغين " ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به . وحكى الرماني : الإغراء تسليط بعضهم على بعض . وقيل : الإغراء التحريش ، وأصله اللصوق ، يقال : غريت بالرجل غرا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذ لصقت به . وقال كثير .

إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا *** غِرَاءَ ومدَّتها حوافِلُ نَهْلِ{[5426]}

وأغريت زيدا بكذا حتى غري به ؛ ومنه الغراء الذي يغري به للصوقه ، فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التسليط عليه . وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد . " بينهم " ظرف للعداوة . " والبغضاء " البغض . أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما . عن السدي وقتادة : بعضهم لبعض عدو . وقيل : أشار إلى افتراق النصارى خاصة ، قاله الربيع بن أنس ؛ لأنهم أقرب مذكور ، وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية ، أي كفر بعضهم بعضا . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معنى " أغرينا بينهم العداوة والبغضاء " أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم ، فكل فرقة مأمُورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار . وقوله : " وسوف ينبئهم الله " تهديد لهم ؛ أي سيلقون جزاء نقض الميثاق .


[5426]:كذا بالأصول، والذي في "اللسان". إذا قلت أسلوغارت العين بالبكا *** غراء ومدتها مدامع حفل.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (14)

ولما دخل النصارى فيما مضى لأنهم من بني إسرائيل ، خصهم بالذكر لأن كفرهم أشد وأسمج فقال : { ومن الذين قالوا } أي مسمين أنفسهم ملزمين لها النصرة لله ، مؤكدين قولهم رداً على من يرتاب فيه : { إنا نصارى } أي مبالغون في نصرة{[24769]} الحق ، فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم تسموا بما لم يفوا به { أخذنا } أي بما لنا من العظمة { ميثاقهم } أي كما أخذ على الذين{[24770]} من قبلهم .

ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء{[24771]} ، لم ينسبهم إلى غير{[24772]} الترك فقال : { فنسوا } أي تركوا ترك الناسي { حظاً } أي نصيباً عظيماً{[24773]} يتنافس{[24774]} في مثله { مما ذكروا به } أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف{[24775]} نبيه{[24776]} صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق .

ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقاً ، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم ، سبب عنه قوله : { فأغرينا } أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء{[24777]} لا ينفك بل يصير كجزء الشيء { بينهم } أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين بتفريق{[24778]} الدين ، وكذا بينهم وبين اليهود { العداوة } ولما كانت العداوة{[24779]} قد تكون{[24780]} عن بغي ونحوه إذا{[24781]} زال{[24782]} زالت أو خفت ، قال معلماً أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى ، فهو ثابت غير منفك{[24783]} : { والبغضاء } بالأهواء المختلفة { إلى يوم القيامة } .

ولما أخبر بنكدهم{[24784]} في الدنيا ، أعقبه{[24785]} ما لهم في{[24786]} الأخرى{[24787]} فقال : { وسوف ينبئهم } أي يخبرهم { الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً إخباراً بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في{[24788]} الآخرة بوعيد لا خلف فيه ؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم{[24789]} فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا{[24790]} عليها ، حتى صارت لهم أحوالاً لأنفسهم وأخلاقاً{[24791]} لقلوبهم{[24792]} ، سماها صنائع{[24793]} فقال : { بما كانوا يصنعون * } أي دربوا أنفسهم عليه{[24794]} حتى صار كالصنعة{[24795]} ، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة .


[24769]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24770]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24771]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24772]:في ظ: غيرك.
[24773]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24774]:من ظ، وفي الأصل: تنافس.
[24775]:في ظ: أوف- كذا.
[24776]:في ظ: محمد.
[24777]:في الأصل: بالعا، وفي ظ: بالغر- كذا.
[24778]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24779]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24780]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24781]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24782]:في ظ: زالت.
[24783]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24784]:في ظ: بتكذيبهم.
[24785]:في ظ: اتبعه.
[24786]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24787]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24788]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24789]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24790]:في ظ: تدنوا- كذا.
[24791]:من ظ، وفي الأصل: اختلافا.
[24792]:في ظ: لقوتهم.
[24793]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24794]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[24795]:في ظ: كالضيعة.