الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

فيه عشر مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " اليوم أحل لكم الطيبات " ، أي " اليوم أكملت لكم دينكم " و " اليوم أحل لكم الطيبات " فأعاد تأكيدا أي أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ، وكانت الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية ، فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا : ماذا أحل لنا ؟ . وقيل : أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال : هذه أيام فلان ، أي هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام ، فقد أكملت بهذا دينكم ، وأحللت لكم الطيبات . وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا .

الثانية : قوله تعالى : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " ابتداء وخبر . والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه ، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل . وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب ، قال ابن عباس : قال الله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه{[5322]} " [ الأنعام : 121 ] ، ثم استثنى فقال : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " يعني ذبيحة اليهودي والنصراني ، وإن كان النصراني يقول عند الذبح : باسم المسيح واليهودي يقول : باسم عزير ، وذلك لأنهم يذبحون على الملة . وقال عطاء : كل من ذبيحة النصراني وإن قال باسم المسيح ؛ لأن الله جل وعز قد أباح ذبائحهم ، وقد علم ما يقولون . وقال القاسم بن مخيمرة : كل من ذبيحته وإن قال باسم سرجس{[5323]} - اسم كنيسة لهم - وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول ، وروي عن صحابيين : عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت . وقالت طائفة : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم الله عز وجل فلا تأكل ، وقال بهذا من الصحابة علي وعائشة وابن عمر ؛ وهو قول طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " [ الأنعام : 121 ] . وقال مالك : أكره ذلك ، ولم يحرمه .

قلت : العجب من الكيا الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب ، ثم أخذ يستدل بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال : ولا شك أنهم لا يسمون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير ، ولو سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة ، وإنما كان على طريق آخر ، واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل ، ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة ، إذا لم تتصور منه العبادة ، ولأن النصراني إنما يذبح على اسم المسيح ، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا ، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي ، وسيأتي ما في هذا للعلماء في " الأنعام{[5324]} " إن شاء الله تعالى .

الثالثة : ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبر جائز أكله ؛ إذ لا يضر فيه تملك أحد . والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين : أحدهما : ما فيه محاولة صنعة لا تعلق للدين بها ؛ كخبز الدقيق ، وعصر الزيت ونحوه ، فهذا إن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز . والضرب الثاني : هي التذكية التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدين والنية ؛ فلما كان القياس إلا تجوز ذبائحهم - كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة - رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة ، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن عباس ، والله أعلم .

الرابعة : واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم أولا ؟ على قولين . فالجمهور على أنها عاملة في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه ، لأنه مذكى . وقالت جماعة من أهل العلم : إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم ؛ لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم ؛ فمنعت هذه الطائفة الطريف{[5325]} ، والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب ، وقصرت لفظ الطعام على البعض ، وحملته الأولى على العموم في جميع ما يؤكل . وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك . قال أبو عمر : وكره مالك شحوم اليهود وأكل ما نحروا من الإبل ، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا ، وسيأتي هذا في " الأنعام " {[5326]} إن شاء الله تعالى ، وكان مالك رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم ، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون فيها ما يذبحون ، وهذا منه رحمه الله تنزه .

الخامسة : وأما المجوس فالعلماء مجمعون - إلا من شذ منهم - على أن ذبائحهم لا تؤكل ، ولا يتزوج منهم ؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء . ولا بأس يأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة ، إلا الجبن ؛ لما فيه من إنفحة{[5327]} الميتة . فإن كان أبو الصبي مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك ، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته .

السادسة : وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب ؛ لأنهم عرب ، ويقول : إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر ، وهو قول الشافعي . وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم .

وقال جمهور الأمة : إن ذبيحة كل نصراني حلال ، سواء كان من بني تغلب أو غيرهم ، وكذلك اليهودي . واحتج ابن عباس بقوله تعالى : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم{[5328]} " [ المائدة : 51 ] ، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم .

السابعة : ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم ، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى ؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات ، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست ، وربما سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار ، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية ، فاقتضى الورع الكف عنها . وروي عن ابن عباس أنه قال : إن كان الإناء من نحاس أو حديد غسل ، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك ، فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل ؛ لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حق{[5329]} نصرانية ، وهو صحيح وسيأتي في " الفرقان{[5330]} " بكماله . وفي صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد ، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم ، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم ، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ؟ قال : ( أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم ، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ) ثم ذكر الحديث .

الثامنة : قوله تعالى : " وطعامكم حل لهم " دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا ، أي إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم .

التاسعة : قوله تعالى : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " الآية . قد تقدم معناها في " البقرة " {[5331]} و " النساء " {[5332]} والحمد لله . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " . هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا . وقال غيره : يجوز نكاح الذمية والحربية لعموم الآية . وروي عن ابن عباس أنه قال : " المحصنات " العفيفات العاقلات . وقال الشعبي : هو أن تحصن فرجها فلا تزني ، وتغتسل من الجنابة . وقرأ الشعبي " والمحصنات " بكسر الصاد ، وبه قرأ الكسائي . وقال مجاهد : " المحصنات " الحرائر ، قال أبو عبيد : يذهب إلى أنه لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ؛ لقوله تعالى : " فمن ما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات{[5333]} " [ النساء : 25 ] وهذا القول الذي عليه جلة العلماء .

العاشرة : قوله تعالى : " ومن يكفر بالإيمان " قيل : لما قال تعالى : " المحصنات من الذين أوتوا الكتاب " قال نساء أهل الكتاب : لولا أن الله تعالى رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا ، فنزلت " ومن يكفر الإيمان " أي بما أنزل على محمد . وقال أبو الهيثم : الباء صلة ، أي ومن يكفر الإيمان أي يجحده " فقد حبط عمله " وقرأ ابن السميقع " فقد حبط " بفتح الباء . وقيل : لما ذكرت فرائض وأحكام يلزم القيام بها ، ذكر الوعيد على مخالفتها ؛ لما في ذلك من تأكيد الزجر عن تضييعها . وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى : ومن يكفر بالله . قال الحسن بن الفضل : إن صحت هذه الرواية فمعناها برب الإيمان . وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا خلافا للحشوية والسالمية ؛ لأن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا ، واسم الفاعل منه مؤمن ، والإيمان التصديق ، والتصديق لا يكون إلا كلاما ، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاما{[5334]} .


[5322]:راجع ج 7 ص 74.
[5323]:ولعل الصواب: جرجس.
[5324]:ج 7 ص 75.
[5325]:كلمة عبرية في الخرشي على (مختصر خليل) "الطريفة": هي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة أي ملتصقة بظهر الحيوان، وإنما كانت الطريفة عندهم محرمة؛ لأن ذلك علامة على أنها لا تعيش من ذلك فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، بمنزلة منفوذة المقاتل عندنا.
[5326]:ج 7 ص 124.
[5327]:الإنفحة (بكسر الهمزة وفتح الفاء): كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، يستخرج منه شيء لونه أصفر يوضع على اللبن فيتجبن.
[5328]:راجع ص 216 من هذا الجزء.
[5329]:الحق والحقة (بالضم) : وعاء من خشب أو عاج.
[5330]:راجع ج 13 ص 44.
[5331]:راجع ج 3 ص 69 وما بعدها.
[5332]:راجع ج 5 ص 120.
[5333]:راجع ج 5 ص 120.
[5334]:في نسخة ز ما نصه: [وجد في ورقة بخط المصنف من ههنا إلى آخر الصفحة: قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله". العلماء أي أجر عمله وثوابه لأن الكفر، وإن وقع والعياذ بالله منه وأحبط ما تقدم من إيمانه ينقلب الموجود منه معدوما من أصله وإنما يحبط أجره ويبطل ثوابه وفي إجماع المسلمين على إثبات الردة ما دل على ثبوت الإيمان قبله فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على الإيمان قطعه من حيث وجد إلى أن مضى. حبط أجره لا أن عينه تحبط فيصير كأن لم يكن وينقلب الموجود منه حقيقة معدوما وهذا واضح والله أعلم].
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات ، والمنافرة لجميع أصناف{[24335]} الكفار ، وبيان بغضهم وعداوتهم ، والحث على طردهم ومنابذتهم

{ هآ أنتم أولاء{[24336]} تحبونهم{[24337]} }[ آل عمران : 119 ] ونحوها لضعف{[24338]} الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار الفظاظة{[24339]} والغلظة لهم لتعظيم دين الله ، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق . كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة ، وكان الدين{[24340]} وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم ، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بها وسبق في الأزل علمها ، فكانت{[24341]} الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن{[24342]} وسّع الأمر بحل طعامهم ونسائهم ، فقال تعالى مكرراً ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات ، تنبيهاً على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة ، وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة ، فقال معيداً لصدر الآية التي قبلها إعلاماً بعظم النعمة فيه{[24343]} ، ومفيداً بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات ، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول : { اليوم } .

ولما كان القصد إنما هو الحل ، لا كونه من محل{[24344]} معين ، مع أن المخاطبين بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله ، بني الفعل{[24345]} للمجهول فقال{[24346]} : { أحل } أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبداً { لكم } أي أيها المؤمنون { الطيبات } أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع ، فهي الكاملة في الطيب .

ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال : { وطعام الذين } ولما كان سبب الحل الكتاب ، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض ، بني الفعل للمجهول فقال : { أوتوا الكتاب } أي{[24347]} مما يصنعونه أو يذبحونه ، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان المقصود المذبوح ، {[24348]} لا غيره{[24349]} ، ولا يختلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحاً بالمقصود { حل لكم{[24350]} } أي تناوله لحاجتكم ، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية ، ولما كان هذا مشعراً بإبقائهم{[24351]} على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيداً بقوله : { وطعامكم حل لهم } أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم في تناوله .

ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم{[24352]} وغيرها ، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم ، وكانت المطاعم حلالاً من الجانبين والمناكح من جانب واحد قال : { والمحصنات } أي{[24353]} الحرائر { من المؤمنات } ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال : { والمحصنات } أي الحرائر { من الذين أوتوا الكتاب } وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض{[24354]} .

ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق{[24355]} الزمن الماضي ، أثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي وهم اليهود والنصارى ، وعبر عن العقد بالصداق للملابسة فقال مخرجاً للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق{[24356]} ، لأنها لا تملكه بل يعطاه{[24357]} سيدها : { إذا آتيتموهن أجورهن } أي عقدتم لهن{[24358]} ، ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق ، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء ، كان في صورة الزاني ، وورد فيه حديث ، وتسميته بالأجر تدل{[24359]} على أنه لا حد لأقله .

ولما كان المراد بالأجر المهر ، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه{[24360]} الزانية أيضاً ، بينه بقوله : { محصنين } أي قاصدين الإعفاف والعفاف { غير مسافحين } أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهاراً { ولا متخذي أخذان } أي صدائق لذلك في السر ، جمع خدن ، وهو يقع على الذكر والأنثى ، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله تعالى

{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن{[24361]} }[ البقرة : 221 ] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام ، وصرح هنا{[24362]} بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء

{ وأحل لكم ما وراء ذلكم{[24363]} }[ النساء : 24 ] وقوله

{[24364]}{ ومن{[24365]} لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات }[ النساء : 25 ] ، ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب{[24366]} الصفات البشرية ، وأخلد إلى مجرد الحيوانية ، فصار في عداد البهائم ، بل أدنى ، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده ، بل الحل من باب الأولى ، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف ، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى ، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة{[24367]} ، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه . والله أعلم .

ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة ، وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين . لم تنزل عن درجة الإمكان ، وكانت الصلاة تسمى إيماناً لأنها من أعظم شرائعه

{ وما كان الله ليضيع إيمانكم{[24368]} }[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم ، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يحاسب به العبد{[24369]} يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله " وله في الأوسط أيضاً بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر " وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها ، ولهذا أنزلت آية

{ حافظوا على الصلوات{[24370]} }[ البقرة : 238 ] كما{[24371]} مضى بالمحل الذي هي{[24372]} به ، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفراً من نكاحهن بعد إحلاله ، إشارة إلى أن الورع ابتعد{[24373]} عنه ، امتثالاً للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة ، أو يحصل ولد ، فتستميله{[24374]} لدينها : { ومن } أي أحل لكم ذلك والحال أنه من { يكفر } أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به{[24375]} والاستمرار عليه إلى الموت { بالإيمان } أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب ، الذي منه حل الكتابيات ، {[24376]} فيدعوه ذلك{[24377]} إلى نكاحهن ، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن ، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر{[24378]} بالصلاة التي يلزم{[24379]} من{[24380]} الكفر بها الكفر{[24381]} به ، فإطلاقه عليها{[24382]} تعظيم لها

وما كان الله ليضيع إيمانكم{[24383]} }[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم { فقد حبط } أي فسد { عمله } أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله : { وهو في الآخرة من الخاسرين * } والآية من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه ، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة{[24384]} وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز ، ومما يؤيد{[24385]} ذلك أن في السفر الثاني من التوراة : لا تعاهدن{[24386]} سكان الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم ، وتذبحوا لآلهتهم ، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم ، وتزوج بنيك{[24387]} من بناتهم وبناتك من بنيهم ، فتضل{[24388]} بناتك خلف آلهتهم{[24389]} ويضل بنوك بآلهتهم ، وقال في الخامس منها : وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها ، وأهلك{[24390]} شعوباً كثيرة من بين أيديكم : حتانيين وجرجسانيين{[24391]} وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين{[24392]} وحاوانيين ويابسانيين . سبعة{[24393]} شعوب أكثر وأقوى منكم ، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم عهداً{[24394]} ولا ترحموهم ، وتحاشوهم{[24395]} ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم ، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم{[24396]} لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي ، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى ، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعاً ، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع : استأصلوا مذابحهم ، و{[24397]} كسروا أنصابهم{[24398]} ، وحطموا أصنامهم المصبوغة ، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة ، لأنكم شعب طاهر لله ربكم - انتهى . وإذا تأملت جميع{[24399]} ذلك ، وأمعنت{[24400]} فيه النظر لاح لك سرُّ تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر ، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز مع{[24401]} شرف التذكير بما أفاضه من شرف{[24402]} جليل الأيادي ، فافتتح هذه السورة بالأمر بالوفاء بحق الربوبية ، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه ، وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح ،


[24335]:سقط من ظ.
[24336]:سقط من ظ.
[24337]:سورة 3 آية 119.
[24338]:في ظ: الضعف.
[24339]:في ظ: ألفاظه- كذا.
[24340]:زيد من ظ.
[24341]:من ظ، وفي الأصل: وكانت.
[24342]:زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[24343]:سقط من ظ.
[24344]:في ظ: حل.
[24345]:من ظ، وفي الأصل: المفعول.
[24346]:زيد من ظ.
[24347]:زيد من ظ.
[24348]:في ظ: لأن.
[24349]:في ظ: لأن.
[24350]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[24351]:من ظ، وفي الأصل: باتقائهم.
[24352]:زيد بعده في ظ: وكانت المطاعم.
[24353]:زيد بعده في ظ: من.
[24354]:في ظ: عوض.
[24355]:في ظ: يستغرق.
[24356]:العبارة من هنا إلى "يعطاه سيدها" تكررت في ظ بعد "وجوب الصداق".
[24357]:في ظ: يعطاها.
[24358]:في ىظ: بهن.
[24359]:في ظ: يدل.
[24360]:من ظ، وفي الأصل: تعطاه.
[24361]:سورة 2 آية 221.
[24362]:في ظ: هناك.
[24363]:من ظ والقرآن الكريم- آية 24، وفي الأصل: ذلك.
[24364]:من القرآن الكريم- آية 25، وفي الأصل و ظ: فمن.
[24365]:من القرآن الكريم- آية 25، وفي الأصل و ظ: فمن.
[24366]:في ظ: سبب.
[24367]:من ظ، وفي الأصل: إباحة.
[24368]:سورة 2 آية 143.
[24369]:سقط من ظ.
[24370]:سورة 2 آية 238.
[24371]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[24372]:سقط من ظ.
[24373]:في ظ: اصدع.
[24374]:في ظ: فتستمليه.
[24375]:سقط من ظ.
[24376]:في ظ: فيدعوا بذلك.
[24377]:في ظ: فيدعوا بذلك.
[24378]:في ظ: ويكفر.
[24379]:في ظ: لم يلزم.
[24380]:من ظ، وفي الأصل: في.
[24381]:تكرر في ظ.
[24382]:من ظ، وفي الأصل: عليه.
[24383]:سورة 2 آية 143.
[24384]:زيد من ظ.
[24385]:في ظ: يوكد.
[24386]:من نص التوراة، وفي الأصل و ظ: لا تعاهدون.
[24387]:في ظ: ابنك.
[24388]:في ظ: فيضل.
[24389]:في ظ: إلههم.
[24390]:من ظ، وفي الأصل: أهل.
[24391]:من ظ والتوراة، وفي الأصل: جرسنانيين.
[24392]:زيد من نص التوراة.
[24393]:من ظ والتوراة، وفي الأصل: شعبة.
[24394]:في ظ: عبدا.
[24395]:في ظ: تحاسوهم.
[24396]:زيد من ظ والتوراة.
[24397]:في ظ: نشروا الصبائهم- كذا.
[24398]:في ظ: نشروا الصبائهم- كذا.
[24399]:زيد من ظ.
[24400]:من ظ، وفي الأصل: معنت.
[24401]:في ظ: من.
[24402]:زيد من ظ.