قوله تعالى : " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار " ( لولا ) بمعنى فلا . ( ينهاهم ) يزجرهم . ( الربانيون ) علماء النصارى . ( والأحبار ) علماء اليهود قال الحسن . وقيل الكل في اليهود ؛ لأن هذه الآيات فيهم . ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : " لبئس ما كانوا يصنعون " كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله : " لبئس ما كانوا يعملون " ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر ؛ فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد مضى في هذا المعنى في ( البقرة{[5761]} وآل عمران{[5762]} ) . وروى سفيان بن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال : بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : ( أن به فابدأ فإنه لم يتمعر{[5763]} وجهد في ساعة قط ) . وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . وسيأتي . والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة ؛ يقال : سيف صنيع إذا جود عمله .
ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئاً واحداً في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب ، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر- على من يودعونهم أسرارهم ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، لكونهم جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال : { لولا } أي هلا و{[26747]} لم لا{[26748]} { ينهاهم } أي يجدد لهم النهي { الربانيون } أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب { والأحبار } أي العلماء { عن قولهم الإثم } أي الكذب الذي يوجبه{[26749]} وهو مجمع له { وأكلهم السحت } وذلك لأن{[26750]} قولهم للمؤمنين { آمنا } وقولهم لهم{[26751]}{ إنا معكم إنما نحن مستهزءون }[ البقرة : 14 ] لا يخلو عن كذب ، وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام ، فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى{[26752]} عليه خافية ، ولا يبقى لمن عاداه باقية .
ولما كان من طبع الإنسان الإنكار{[26753]} على من خالفه{[26754]} ، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق . وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلاً عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب{[26755]} طويل وتمرن عظيم ، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها وملكة{[26756]} لا يتكلفها ، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ ، لأن الشهوة تدعوه إليها ، وذنب التارك{[26757]} للنهي راسخاً لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك ، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي ، فكان أشد حالاً ؛ قال : { لبئس ما } ولما كان ذلك في جبلاتهم ، عبر بالكون فقال : { كانوا يصنعون * } أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.