الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

قوله تعالى : " وقالت اليهود يد الله مغلولة " قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء ، لعنه الله{[5764]} ، وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم ؛ فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ، فالآية خاصة في بعضهم . وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا . وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا . وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ){[5765]} ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير ، وربما قالوا : بخيل ؛ وهذا معنى قولهم : ( يد الله مغلولة ) فهذا على التمثيل كقوله : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ){[5766]} [ الإسراء : 29 ] . ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ، ومغلول اليد ؛ قال الشاعر :

كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها *** وكل باب من الخيرات مفتوح

فاستبدلت بعده جعدا أنامله *** كأنما وجهه بالخل منضوح

واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : " وخذ بيدك ضغثا{[5767]} " [ ص : 44 ] هذا محال على الله تعالى . وتكون للنعمة . تقول العرب : كم يد لي عند فلان ، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له ، وتكون للقوة . قال الله عز وجل : " واذكر عبدنا داود ذا الأيد{[5768]} " [ ص : 17 ] ، أي ذا القوة وتكون يد الملك والقدرة . قال الله تعالى : " قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء{[5769]} " [ آل عمران :73 ] . وتكون بمعنى الصلة ، قال الله تعالى : " مما عملت أيدينا أنعاما{[5770]} " [ يس : 71 ] أي مما عملنا نحن . وقال : " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح{[5771]} " [ البقرة : 237 ] أي الذي له عقدة النكاح . وتكون بمعنى التأييد والنصرة ، ومن قوله عليه السلام : ( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ) . وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عند تشريفا له وتكريما . قال الله تعالى : " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي{[5772]} " [ ص : 75 ] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة ؛ لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة ، لأن الاشتراك يقع حينئذ . بين وليه آدم وعدوه إبليس ، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه ؛ لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبق إلا أن تحمل{[5773]} على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور ، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ، ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجد أنه{[5774]} كتب التوراة بيده ، وغرس دار الكرامة بيده{[5775]} لأهل الجنة ، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها .

قوله تعالى : " غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " حذفت الضمة من الياء لثقلها ؛ أي غلت في الآخرة ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم ، وكذا " ولعنوا بما قالوا " والمقصود تعليمنا كما قال : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " {[5776]} [ الفتح : 27 ] ؛ علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : " تبت يدا أبي لهب{[5777]} " [ المسد : 1 ] وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق ، فلا ترى يهوديا غير لئيم . وفي الكلام علي هذا القول إضمار الواو ، أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم . واللعن بالإبعاد ، وقد تقدم .

قوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان " ابتداء وخبر ، أي بل نعمته مبسوطة ، فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم : هذا غلط ؛ لقوله : " بل يداه مبسوطتان " فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان ؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ، فيكون مثل قوله عليه السلام : ( مثل المنافق كالشاة العائرة{[5778]} بين الغنمين ) . فأحد الجنسين نعمة الدنيا ، والثاني نعمة في الآخرة . قيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة ، كما قال : " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة{[5779]} " [ لقمان : 20 ] . وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : ( النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ) . وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما . وقيل : إن النعمة{[5780]} للمبالغة ، تقول العرب : ( لبيك وسعديك ) وليس يريد الاقتصار على مرتين ، وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أو قوة . قال السدي : معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب والعقاب ، بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم . وفى صحيح مسلم عن أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمين الله ملأى لا يغيضها سحَّاء الليل والنهار{[5781]} أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض{[5782]} يرفع ويخفض ) . السَّحُّ الصَّبُّ الكثير . ويغيض ينقص ، ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : " والله يقبض ويبسط{[5783]} " [ البقرة : ] . وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود " بل يداه مبسوطتان{[5784]} " [ المائدة : ] حكاه الأخفش ، وقال يقال : يد بسطة ، أي منطلقة منبسطة . " ينفق كيف يشاء " أي يرزق كما يريد . ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة ، أي قدرته شاملة ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر . " وليزيدن كثيرا منهم " لام قسم . " ما أنزل إليك من ربك " أي بالذي أنزل إليك . " طغيانا وكفرا " أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم . " وألقينا بينهم " قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى ؛ لأنه قال قبل هذا " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " [ المائدة : 51 ] . وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود ، كما قال : " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " {[5785]} [ الحشر : 14 ] فهم متباغضون متفقين ، فهم أبغض خلق الله إلى الناس . " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " يريد اليهود . و " كلما " ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم . وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ، فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهادوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم " أطفأها الله " وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار . قال قتادة : أذلهم الله عز وجل ، فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس ، ثم قال عز وجل : " ويسعون في الأرض فسادا " أي يسعون في إبطال الإسلام ، وذلك من أعظم الفساد ، والله أعلم . وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب ، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى يضعفوا ، وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم .


[5764]:من ع.
[5765]:راجع ج 3 ص 237، 204.
[5766]:راجع ج 10 ص 249.
[5767]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5768]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5769]:راجع ج 4 ص 112.
[5770]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5771]:راجع ج 3 ص 237، 204.
[5772]:راجع ج 15 ص 212، 158، 55، 228.
[5773]:كذا في الأصول إلا في ج، ز: تحملا. ولا وجه للتثنية هنا.
[5774]:من ز.
[5775]:من ع.
[5776]:راجع ج 16 ص 289.
[5777]:راجع ج 20 ص 234.
[5778]:العائرة بين الغنمين: أي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع.
[5779]:راجع ج 14 ص 73.
[5780]:تلك عبارة الأصول، أو صوابها ما في الجصاص: إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك الخ. راجع ج 2 ص 448.
[5781]:الليل والنهار قال النووي: هو بنصب الليل والنهار ورفعهما، النصب على الظرف والرفع على الفاعل. قال في هامش مسلم: لكن على تقدير النصب ماذا يكون الفاعل في "لا يغيضها" لم يذكره، ولو كانت الرواية "لا يغيضها مسح الليل والنهار" بافضافة لبان الفاعل كما في رواية زهير بن حرب "لا يغيضها شيء".
[5782]:الفيض: ضبطوه (بالفاء والياء) ومعناه الإحسان، و (بالقاف والباء) ومعناه الموت.
[5783]:راجع ج 3 ص 237.
[5784]:كذا في البحر وفي الشواذ لابن خالويه: بسطتان. بضم السين.
[5785]:راجع ج 18 ص 35.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

ولما لم تزل الدلائل على{[26758]} إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم{[26759]} ، وجبوش البراهين تنجد{[26760]} ، حتى انتشبت{[26761]} فيهم سهام الكلام أي انتشاب ، قال تعالى معجباً من عامتهم بعد تعيين خاصتهم ، معلماً بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن المنكر حتى تكلموا بأنكره ، مشيراً إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم{[26762]} بأداة التأنيث : { وقالت اليهود } معبرين عن{[26763]} البخل والعجز جرأة وجهلاً بأن قالوا ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة : { يد الله } أي الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال { مغلولة } أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط{[26764]} ، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه{[26765]} على حياله{[26766]} أصلاً ، كما قال تعالى :

{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط{[26767]} }[ الإسراء : 29 ] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده ، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلاً ، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازاً عنه ، كأنهما متعقبان{[26768]} على معنى واحد ، حتى لو جاد{[26769]} الأقطع إلى المنكب لقيل{[26770]} له{[26771]} ذلك ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، منه الاستواء " وقالت : في السماء{[26772]} " المراد منه - كما قاله{[26773]} العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان ، قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة{[26774]} الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، و{[26775]} لم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به .

ولما نطقوا بهذه الكلمة{[26776]} الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية{[26777]} له على تقدير سؤال سائل : { غلت أيديهم } دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً ، عن كل خير ، فلا تكاد{[26778]} تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر{[26779]} له ثمرة { ولعنوا } أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم { بما قالوا } والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء{[26780]} بغلهم ولعنهم{[26781]} متضمناً{[26782]} أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمة سبحانه بقوله{[26783]} : { بل يداه }{[26784]} وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم{[26785]} { مبسوطتان } مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره{[26786]} بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم .

ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : { ينفق } ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب{[26787]} من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الموطن شرط ، فقال : { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك .

ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كافٍ في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في الفحش ، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان ، قال سبحانه عاطفاً على

{ وترى كثيراً منهم }[ المائدة : 62 ] مؤكداً لمضمون ما سبق من قوله

{ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له{[26788]} من الله شيئاً }[ المائدة : 41 ] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي{[26789]} هم{[26790]} به أعرف منهم بأبنائهم : { وليزيدن كثيراً منهم } أي{[26791]} ممن أراد الله فتنته ، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال{[26792]} : { ما أنزل إليك } أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير { من ربك } أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى { طغياناً } أي تجاوزاً عظيماً عن{[26793]} الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ{[26794]} ، و{[26795]} ذلك بما جره إليهم داء الحسد ، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد{[26796]} زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان ، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان ، فيكون أعدى العدوان { وكفراً } أي ستراً لما ظهر لعقولهم من النور ، ودعت إليه كتبهم من الخير ، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح ، وكلما قوي{[26797]} الضياء زاد أذاه ، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد{[26798]} لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم ، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقاً ما وجدوا قوة ، فإن ضعفوا فنفاقاً .

ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفاً من كيدهم ، نفى ذلك بقوله { وألقينا } أي بما لنا من العظمة الباهرة { بينهم } أي اليهود { العداوة } ولما كانت العداوة{[26799]} - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت بزوال السبب ، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله : { والبغضاء } أي لأمور{[26800]} باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو { إلى يوم القيامة } .

ولما كان ذلك مفيداً لوهنهم ترجمه بقوله : { كلما أوقدوا } على سبيل التكرار لأحد من الناس { ناراً للحرب } أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها { اطفأها } أي خيّب قصدهم في ذلك { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر ، وأصل{[26801]} استعارة النار لها ما في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن ، مع أن المحارب يوقد{[26802]} النار في موضع عال ليجتمع إليه{[26803]} أنصاره ، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة ، والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا{[26804]} ولم ينصروا{[26805]} ، ثم غزوة{[26806]} خيبر وأهل فدك و{[26807]} وادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا{[26808]} ، هذا فيما في خاصتهم ، وأما في غير ذلك فقد ألبّوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا{[26809]} في أمرهم على زعمهم المكايد ، ثم أطفأ الله نارهم حساً ومعنى بالريح والملائكة ، وألزمهم{[26810]} خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم ، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله : { ويسعون } أي يوجدون مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام { في الأرض } أي كل{[26811]} ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة{[26812]} .

ولما كان الإنسان لكونه{[26813]} محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلاً عن أن يمشي فضلاً عن أن يسعى إلا بما يرضي الله ، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمراً به خالقاً له ، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة{[26814]} على الفساد ، صرح به في قوله : { فساداً } أي للفساد أو ذوي فساد { والله } أي والحال أن الذي له الكمال كله { لا يحب المفسدين * } أي لا يفعل معهم فعل المحب ، فلا ينصر لهم جيشاً ، ولا يعلي لهم كعباً{[26815]} ، ولا يصلح لهم شأناً ، وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عليهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريباً{[26816]} عما بين أيديهم من التوراة بنصه .


[26758]:زيد بعده في ظ: دعوى.
[26759]:في ظ: يقوم.
[26760]:في ظ: تنحر.
[26761]:في ظ: تشبهت.
[26762]:في ظ: منزلهم.
[26763]:في ظ: على.
[26764]:زيد من ظ.
[26765]:أي على انفراده.
[26766]:أي على انفراده.
[26767]:سورة 17 آية 29.
[26768]:من ظ، وفي الأصل: معتقبان.
[26769]:في ظ: حاز.
[26770]:من ظ، وفي الأصل: ليقل.
[26771]:زيد من ظ.
[26772]:إشارة إلى ما ورد عن معاوية السلمي في حديث طويل قال فيه: وبينما جارية لي ترعى غنيمات لي في قبل أحد والجوانية فأطلعت عليها إطلاعة فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم يأسف- وفي رواية: آسف- كما يأسفون، لكني صككتها صكة، قال: فعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: ألا أعتقها؟ قال: ابعث إليها؛ قال: فأرسل إليها فجاء بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة- راجع مسند الإمام أحمد 5/448 و 449.
[26773]:زيد بعده في ظ: له.
[26774]:في ظ: بحجة.
[26775]:سقط من ظ.
[26776]:من ظ، وفي الأصل: الكلمات.
[26777]:في ظ: مقويه.
[26778]:في ظ: فلا يكاد.
[26779]:في ظ: لم يظهر.
[26780]:في ظ: بلعنهم وغلهم.
[26781]:في ظ: بلعنهم وغلهم.
[26782]:من ظ، وفي الأصل: مضمنا.
[26783]:سقط من ظ.
[26784]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26785]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26786]:في ظ: إبلاغه.
[26787]:في ظ: التعجب.
[26788]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[26789]:في ظ: الذين.
[26790]:من ظ، وفي الأصل: هو.
[26791]:سقط من ظ.
[26792]:زيد من ظ.
[26793]:زيد بعده في ظ: هذا.
[26794]:في ظ: شان.
[26795]:زيد بعده في الأصل: في، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[26796]:سقط من ظ.
[26797]:في ظ: ترقو.
[26798]:في ظ: تأكيدا.
[26799]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها..
[26800]:في ظ: الأمور.
[26801]:من ظ، وفي الأصل: أصله.
[26802]:في ظ: موقد.
[26803]:في ظ: عليه.
[26804]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26805]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26806]:في ظ: غزوا- كذا.
[26807]:سقط من ظ.
[26808]:سقط من ظ.
[26809]:في ظ: أيقنوا.
[26810]:سقط من ظ.
[26811]:من ظ، وفي الأصل: كلها.
[26812]:في ظ: بالقواة- كذا.
[26813]:سقط من ظ.
[26814]:من ظ، وفي الأصل: دالا.
[26815]:في ظ: كلمة.
[26816]:في ظ: تقريبا.