قوله تعالى :{ وما من دابة في الأرض } تقدم معنى الدابة والقول فيه في " البقرة " {[6330]} وأصله الصفة ، من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو . { ولا طائر يطير بجناحيه } بخفض " طائر " عطفا على اللفظ . وقرأ الحسن وعبدالله بن إسحاق { ولا طائر } بالرفع عطفا على الموضع ، و( من ) زائدة ، التقدير : { وما دابة } . { بجناحيه } تأكيدا وإزالة للإبهام ، فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر ، تقول للرجل : طر في حاجتي ، أي أسرع ، فذكر { بجناحيه } ليتمحض القول في الطير ، وهو في غيره مجاز . وقيل : إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ، ولو كان غير معتدل لكان يميل ، فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و{ ما يمسكهن إلا الله } [ النحل : 79 ] . والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء ، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ، ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت . وطائر الإنسان عمله ، وفي التنزيل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه }{[6331]} [ الإسراء : 13 ] . { إلا أمم أمثالكم } أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم ، وتكفل بأرزاقهم ، وعدل عليهم ، فلا ينبغي أن تظلموهم ، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به . و{ دابة } تقع على جميع ما دب ، وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه . وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة ؛ والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى ، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار . وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها : كوني ترابا . وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : { إلا أمم أمثالكم } في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص ، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا . وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ؛ فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاوس ، فهذا معنى المماثلة . واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك . وقال مجاهد في قوله عز وجل : { إلا أمم أمثالكم } قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون . وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة ، وأنها تحشر وتنعم في الجنة ، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ، والصحيح { إلا أمم أمثالكم } في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته ، كما أن رزقكم على الله . وقول سفيان أيضا حسن ، فإنه تشبيه واقع في الوجود .
قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث . وقيل : أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ، إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من الإجماع ، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ، قال الله تعالى : " { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء }{[6332]} " [ النحل :89 ] وقال : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }{[6333]} [ النحل : 44 ] وقال : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }{[6334]} " [ الحشر : 7 ] فأجمل في هذه الآية وآية ( النحل ) ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره ، إما تفصيلا وإما تأصيلا ؛ وقال : { اليوم أكملت لكم دينكم }{[6335]} " [ المائدة : 3 ] .
قوله تعالى : { ثم إلى ربهم يحشرون } أي للجزاء ، كما سبق في خبر أبي هريرة ، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدن{[6336]} الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء{[6337]} من الشاة القرناء ) . ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة ، وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم ، وروي عن ابن عباس ، قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها ، وقاله الضحاك . والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح ، وفي التنزيل { وإذا الوحوش حشرت }{[6338]} " [ التكوير : 5 ] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان{[6339]} عن يزيد بن الأصم عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : ( كوني ترابا ) فذلك قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا }{[6340]} [ النبأ : 40 ] . وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم ، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف ، فيقول الله تعالى لهن : ( كن ترابا ) فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا . وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج ، وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه ، وأنه لا محيص له عنه ، وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لما ركب على الحجر ، وللعود لما خدش العود ؛ قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل ؛ لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها ، ولم يصر إليه أحد من العقلاء ، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء . قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا .
قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة ، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به ، وروي عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أبا ذر هل تدري فيما انتطحتا ؟ ) قلت : لا . قال : ( لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما ) وهذا نص ، وقد زدناه بيانا في كتاب ( التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ) . والله أعلم .
ولما عجب منهم{[29480]} في قولهم هذا{[29481]} الذي يقتضي أنهم لم يروا له{[29482]} آية قط{[29483]} بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار ، ورد إلى الصم الأسماع ، وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل{[29484]} على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم ، رتبها{[29485]} سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر ، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم{[29486]} في جميع ما يراد منهم فقال تعالى : { وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما ، وهي ناظرة{[29487]} أتم نظر إلى قوله{ هو الذي خلقكم من طين }[ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم{[29488]} وما{[29489]} { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله{[29490]} : { بجناحيه } وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر ، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً .
ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال : { إلا أمم }{[29491]} أي يقصد منها في نفسه ، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { أمثالكم }{[29492]} } أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم ، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم ، و{[29493]}جعلنا لكم{[29494]} فيهم أحكاماً جددناها لكم ، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة ، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم ، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة ، وجعلنا في هذه الحيوانات ما{[29495]} هو أقوى منكم وما هو أضعف ، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل ، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل ، وربما سلطنا الأضعف{[29496]} عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم ، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم{[29497]} ومنعكم القرار وأخرجكم{[29498]} عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول{[29499]} وتقف دونها نوافذ الفكر ، وهذا كله معنى قوله : { ما فرطنا } أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة{[29500]} والعلم الشامل { في الكتاب } أي اللوح المحفوظ والقرآن ، وأعرق في النفي بقوله : { من شيء } أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط ، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت ، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره{[29501]} آخر النهار{[29502]} على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو ، لا يزيد شيئاً ولا ينقص ، فيزدادون إيماناً ، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور ، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية و{[29503]} الدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق ، فمن أراد الهداية هداه بدقيق{[29504]} أسراره ، ومن أعرض أوقعه في الردى ، وعمي حتى عن{[29505]} واضح{[29506]} أنواره ، والآية كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال : وبث فيها{[29507]} من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون{[29508]} }[ البقرة : 164 ] .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم{[29509]} عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا{[29510]} بعد إرسالهم ولا ترضوا{[29511]} منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه . {[29512]}
ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين{[29513]} من أحوال الحياة وغيرها ، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال : { ثم } أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ { إلى ربهم } أي خاصة ، وبني{[29514]} للمفعول على طريق كلام القادرين قوله{[29515]} : { يحشرون * } أي يجمعون كرهاً{[29516]} بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم ، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ، كل ذلك عليه{[29517]} هيّن{[29518]}{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[29519]} }[ لقمان : 28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين{[29520]} على اختلاف أنواعهم{[29521]} وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه{[29522]} نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً ، إن ذلك على الله يسير ، وهو على كل شيء قدير .