قوله تعالى : " ويوم يقول كن فيكون " أي واذكر يوم يقول كن . أو اتقوا يوم يقول كن . أو قدر يوم يقول كن . وقيل : هو عطف على الهاء في قوله : " واتقوه " قال الفراء : " كن فيكون " يقال : إنه للصور خاصة ، أي ويوم يقول للصور كن فيكون . وقيل : المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم وعلى هذين التأويلين يكون " قوله الحق " ابتداء وخبرا . وقيل : إن قوله تعالى : " قوله " رفع بيكون ؛ أي فيكون ما يأمر به . " الحق " من نعته . ويكون التمام على هذا " فيكون قوله الحق " . وقرأ ابن عامر " فيكون " بالنصب{[6482]} ، وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث . وقد تقدم في ( البقرة ) مستوفى{[6483]} .
قوله تعالى : " يوم ينفخ في الصور " أي وله الملك يوم ينفخ في الصور . أو وله الحق يوم ينفخ في الصور . وقيل : هو بدل من " يوم يقول " . والصور قرن من نور ينفخ فيه ، النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء . وليس جمع صورة كما زعم بعضهم ، أي ينفخ في صور الموتى على ما نبينه . روى مسلم من حديث عبدالله بن عمرو ( . . . . . ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى{[6484]} ليتا ورفع ليتا{[6485]} - قال - وأول من يسمعه رجل يلوط{[6486]} حوض إبله قال ويصعق الناس ثم يرسل الله ، أو قال : ينزل الله مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) وذكر الحديث . وكذا في التنزيل " ثم نفخ فيه أخرى{[6487]} " [ الزمر : 68 ] ولم يقل فيها ، فعلم أنه ليس جمع الصورة . والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام . قال أبو الهيثم : من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط ، وطلب لها تأويلات . قال ابن فارس : الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه ، والصور جمع صورة . وقال الجوهري : الصور القرن . قال الراجز :
لقد نطحناهم غداة الجمعين *** نطحا شديدا لا كنطح الصُّورَيْنِ
ومنه قوله : " ويوم ينفخ في صور{[6488]} " . قال الكلبي : لا أدري ما هو الصور . ويقال : هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ، أي ينفخ في صور الموتى والأرواح . وقرأ الحسن " ( يوم ينفخ في الصور " . والصور ( بكسر الصاد ) لغة في الصور{[6489]} جمع صورة والجمع صوار ، وصيار ( بالياء لغة فيه . وقال عمرو بن عبيد : قرأ عياض " يوم ينفخ في الصور " فهذا يعني به الخلق . والله أعلم .
قلت : وممن قال إن المراد بالصور في هذه الآية جمع صورة أبو عبيدة . وهذا وإن كان محتملا فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسنة . وأيضا لا ينفخ في الصور للبعث مرتين ، بل ينفخ فيه مرة واحدة ، فإسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور الذي هو القرن والله عز وجل يحيى الصور . وفي التنزيل " فنفخنا فيه من روحنا{[6490]} " [ التحريم : 12 ] .
قوله تعالى : " عالم الغيب والشهادة " برفع " عالم " صفة ل " الذي " ، أي وهو الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب . ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ . وقد روي عن بعضهم أنه قرأ " ينفخ " فيجوز أن يكون الفاعل " عالم الغيب " ؛ لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله عز وجل كان منسوبا إلى الله تعالى . ويجوز أن يكون ارتفع " عالم " حملا على المعنى ، كما أنشد سيبويه :
*** ليُبْكَ{[6491]} يزيدٌ ضارعٌ لخصومةٍ
وقرأ الحسن والأعمش " عالم " بالخفض على البدل من الهاء التي{[6492]} في " له " .
ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو{[30025]} خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما ، أو شاركاً فيهما . فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته ، قال تعالى منبهاً لهم من غفلتهم وموقظاً من رقدتهم معيداً الدليل الذي ذكره{[30026]} أول السورة على وجه آخر : { وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد واخترع وقدر { السماوات والأرض } أي{[30027]} على{[30028]} عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر { بالحق } أي بسبب إقامة الحق ، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام ، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد{[30029]} موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم ، فيبطل كل باطل{[30030]} ويحق كل حق ، ويظهر الحكم{[30031]} لجميع{[30032]} الخلق .
ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد ، قرر قدرته عليها بقوله : { ويوم يقول } أي للخلق{[30033]} ولكل{[30034]} شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار { كن فيكون * } أي فهو{[30035]} يكون لا يتخلف{[30036]} أصلاً .
ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره ، علله فقال : { قوله الحق } أي لا{[30037]} قول غيره{[30038]} ، لأن أكثر قول غيره باطل ، لأنه يقول شيئاً فلا يكون ما أراد ؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته ، قال مكرراً لقوله " وهو الذي إليه تحشرون " : { وله } أي وحده بحسب الظاهر والباطن { الملك يوم } ولما كان المقصود تعظيم النفخة ، بني للمفعول قوله : { ينفخ في الصور } لانقطاع العلائق بين الخلائق ، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب ، وقولُه- : { عالم الغيب } وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه { والشهادة } وهو ما{[30039]} صار بحيث يطلع عليه{[30040]} الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه{[30041]} من تمام الترهيب ، أي أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع{[30042]} الأسباب ، ويذهب التعاضد والتعاون ، وهو على عادته سبحانه في أنه ما{[30043]} ذكر أحوال البعث إلاّ قرر فيه أصلين : القدرة على جميع الممكنات ، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات ، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين { وهو } أي وحده { الحكيم } أي التام الحكمة ، فلا يضع شيئاً في غير محله ولا على غير إحكام ، فلا معقب لأمره ، فلا بد من البعث { الخبير * } بجميع الموارد والمصادر ، فلا خفاء لشيء{[30044]} من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.