الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

الرابعة - قوله تعالى : " ولا تقعدوا بكل صراط " نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله ، وكانوا يوعدون العذاب من آمن . واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان . قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي : كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون : إنه كذاب فلا تذهب إليه ، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا ظاهر الآية . وقال أبو هريرة : هذا نهي عن قطع الطريق{[7259]} ، وأخذ السلب ؛ وكان ذلك من فعلهم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه - ثم تلا - " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " الآية . وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين ، والحمد لله{[7260]} . وقال السدي أيضا : كانوا عشارين متقبلين . ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر ، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي . والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد . وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها ، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له ، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لم يبق من الإسلام إلا رسمه ، ولا من الدين إلا اسمه . يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس .

قوله تعالى : " من آمن به " الضمير في " به " يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى ، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد ، وأن يعود على السبيل . " عوجا " قال أبو عبيدة والزجاج : كسر العين في المعاني . وفتحها في الأجرام . " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " أي كثر عددكم ، أو كثركم بالغنى بعد الفقر . أي كنتم فقراء فأغناكم . " فاصبروا " ليس هذا أمرا بالمقام على الكفر ، ولكنه وعيد وتهديد . وقال : " وإن كان طائفة منكم " فذكر على المعنى ، ولو راعى{[7261]} اللفظ قال : كانت .


[7259]:في ب و ج و ك : الطرق.
[7260]:راجع ج 6 ص 147 فما بعد
[7261]:الأولى: روعي لقيل.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا يخفى ، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن كل فساد ، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة{[32705]} المراد بعد التعميم فقال : { ولا{[32706]} تقعدوا } أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته { بكل صراط } أي طريق من طرق{[32707]} الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم والمتشابه والأمثال { توعدون } أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون .

ولما كان طريق الدين أهم ، خصه بالذكر فقال : { وتصدون } أي توقعون الصد على سبيل الاستمرار { عن سبيل الله } أي طريق من له الأمر كله ؛ ولما ذكر الصدود عنه{[32708]} ، ذكر المصدود فقال : { من آمن به } آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم منها ؛ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه ، بل يبدون للمصدود شبهاً توهمه أنه على ضلال ، قال عاطفاً : { وتبغونها{[32709]} عوجاً } أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج ، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول : أريد فلاناً ملكاً ، أي أريد ملكه ، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال أرجح ، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح " ابغني أحجاراً أستنفض بها " يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم .

ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد ، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم ، فقال عطفاً على قوله { اعبدوا الله } وما بعده من الأوامر والنواهي : { واذكروا إذ } أي حين { كنتم قليلاً } أي في العدد والمدد { فكثركم } أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم ، فلا تقابلوا النعمة بضدها ، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر .

ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة ، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال : { وانظروا كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين* } أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود{[32710]} لكون الحال هناك مقتضياً للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى .


[32705]:- من ظ، وفي الأصل: زايدة.
[32706]:- من ظ والقرآن الكريم، وفي الأصل: فلا.
[32707]:- في ظ: طريق
[32708]:- في ظ: عليه.
[32709]:- في ظ: يبغونها.
[32710]:- زيد بعده في ظ: لا.