الرابعة - قوله تعالى : " ولا تقعدوا بكل صراط " نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله ، وكانوا يوعدون العذاب من آمن . واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان . قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي : كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون : إنه كذاب فلا تذهب إليه ، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا ظاهر الآية . وقال أبو هريرة : هذا نهي عن قطع الطريق{[7259]} ، وأخذ السلب ؛ وكان ذلك من فعلهم . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه - ثم تلا - " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون " الآية . وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين ، والحمد لله{[7260]} . وقال السدي أيضا : كانوا عشارين متقبلين . ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر ، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي . والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد . وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها ، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له ، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لم يبق من الإسلام إلا رسمه ، ولا من الدين إلا اسمه . يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس .
قوله تعالى : " من آمن به " الضمير في " به " يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى ، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد ، وأن يعود على السبيل . " عوجا " قال أبو عبيدة والزجاج : كسر العين في المعاني . وفتحها في الأجرام . " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " أي كثر عددكم ، أو كثركم بالغنى بعد الفقر . أي كنتم فقراء فأغناكم . " فاصبروا " ليس هذا أمرا بالمقام على الكفر ، ولكنه وعيد وتهديد . وقال : " وإن كان طائفة منكم " فذكر على المعنى ، ولو راعى{[7261]} اللفظ قال : كانت .
ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا يخفى ، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن كل فساد ، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة{[32705]} المراد بعد التعميم فقال : { ولا{[32706]} تقعدوا } أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته { بكل صراط } أي طريق من طرق{[32707]} الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم والمتشابه والأمثال { توعدون } أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون .
ولما كان طريق الدين أهم ، خصه بالذكر فقال : { وتصدون } أي توقعون الصد على سبيل الاستمرار { عن سبيل الله } أي طريق من له الأمر كله ؛ ولما ذكر الصدود عنه{[32708]} ، ذكر المصدود فقال : { من آمن به } آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم منها ؛ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه ، بل يبدون للمصدود شبهاً توهمه أنه على ضلال ، قال عاطفاً : { وتبغونها{[32709]} عوجاً } أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج ، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول : أريد فلاناً ملكاً ، أي أريد ملكه ، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال أرجح ، وأن قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح " ابغني أحجاراً أستنفض بها " يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم .
ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد ، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم ، فقال عطفاً على قوله { اعبدوا الله } وما بعده من الأوامر والنواهي : { واذكروا إذ } أي حين { كنتم قليلاً } أي في العدد والمدد { فكثركم } أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم ، فلا تقابلوا النعمة بضدها ، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر .
ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة ، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال : { وانظروا كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين* } أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود{[32710]} لكون الحال هناك مقتضياً للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.