قوله تعالى : " قل أي شيء أكبر شهادة " وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ، عن الحسن وغيره . ولفظ ( شيء ) هنا واقع موقع اسم الله تعالى ، المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة .
قوله تعالى : " وأوحي إلي هذا القرآن " أي والقرآن شاهد بنبوتي . " لأنذركم به " يا أهل مكة . " ومن بلغ " أي ومن بلغه القرآن . فحذف ( الهاء ) لطول الكلام . وقيل : ومن بلغ الحلم . ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ، فقال : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{[6265]} " [ المائدة : 67 ] . وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الخبر أيضا : من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه . وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له . وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه . وقرأ أبو نهيك : ( وأوحى إلي هذا القرآن ) مسمى الفاعل ، وهو معنى قراءة الجماعة . " أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى " استفهام توبيخ وتقريع . وقرئ ( أئنكم ) بهمزتين على الأصل . وإن خففت الثانية قلت : ( أئنكم ) . وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ( أئنكم ) ، وهذه لغة معروفة ، تجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما ، قال الشاعر{[6266]} :
أيا ظبيةَ الوَعْسَاء بين جُلاجِل *** وبين النَّقَا أأنت أم أمُّ سالمِ
ومن قرأ " أئنكم " على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم . وقال : " آلهة أخرى " ولم يقل : ( آخر ) ، قال الفراء : لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ، ومنه قوله : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها{[6267]} " [ طه : 51 ] ، وقوله : " فما بال القرون الأولى{[6268]} " [ طه : 51 ] ولو قال : الأول والآخر صح أيضا{[6269]} . " قل لا أشهد قل " أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ونظيره " فإن شهدوا فلا تشهد معهم{[6270]} " [ الأنعام : 150 ] .
{ قل أي شيء أكبر شهادة } سؤال يقتضي جوابا ينبني عليه المقصود ، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء .
{ قل الله شهيد بيني وبينكم } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون { الله } مبتدأ و{ شهيد } خبره ، والآخر : أن يكون تمام الجواب عند قوله : { قل الله } ، بمعنى أن الله أكبر شهادة ، ثم يبتدئ على تقدير هو شهيد بيني وبينكم ، والأول : أرجح لعدم الإضمار ، والثاني : أرجح لمطابقته للسؤال ، لأن السؤال بمنزلة من يقول : من أكبر الناس ؟ فيقال في الجواب : فلان وتقديره فلان أكبر ، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار معجزته الدالة على نبوته .
{ ومن بلغ } عطف على ضمير المفعول في { لأنذركم } والفاعل { بلغ } ضمير القرآن ، والمفعول محذوف يعود على { من } تقديره : ومن بلغه والمعنى أوحى إلي هذا القرآن لأنذر به المخاطبين ، وهم أهل مكة ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة ، قال سعيد ابن جبير : من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل المعنى : ومن بلغ الحلم وهو بعيد .
{ قل أئنكم لتشهدون } الآية : تقرير للمشركين على شركهم ، ثم تبرأ من ذلك بقوله : لا أشهد ، ثم شهد الله بالوحدانية ، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلها آخر .
قوله : { قل أي شيء أكبر شهدة } قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك يا محمد بأنك رسول الله ، فنزلت الآية . وأي مبتدأ ، وخبره ، أكبر . وشهادة تمييز . وإذا كانت { أي } استفهامية فقد لزم أن تكون مسمى باسم ما أضيفت إليه ، فوجب بذلك أن يسمى الله تعالى { شيء } {[1133]} وتأويل الآية هو : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون أنك نبي : أي الأشياء أعظم شهادة ؟ ثم أخبرهم بأن أعظم الأشياء شهادة هو الله وحده فهو العليم بالمحق منا من المبطل ، وبالرشيد من السفيه ، وبالمهتدي من الضال المتخبط . وهو شهيد بيني وبينكم على أنني نبي مبعوث من عنده سبحانه وأنني قد أبلغتكم رسالة ربي وصدقت فيما قلته لكم .
قوله : { وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ } أوحي مبني للمجهول . القرآن نائب فاعل مرفوع . من اسم موصول في محل نصب معطوف على المنصوب في { لأنذركم } أي قل لهؤلاء المشركين أن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به عقابه وكذلك أنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم ، فإن لم تهتدوا أنتم وهم بهديه وتتخذوه شرعة لكم ومنهاجا فلسوف يحل عليكم سخط الله ومقته ونقمته .
قوله : { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } الهمزة الأولى في قوله { أئنكم } للاستفهام . وهو استفهام تقريع وتوبيخ . أي قل لهؤلاء المشركين الذين يعدلون بالله ربا سواه من الآلهة المصطنعة والأنداد المختلقين : أئنكم أيها المشركون الجاحدون تشهدون أن مع الله معبودا غيره من الأوثان والأصنام . وقال : { أخرى } ولم يقل أخر . لأن الألهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث .
قوله : { قل لا أشهد } أي قل لهم : لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بل إني أجحد ذلك وأنكره .
قوله : { قل إنما هو إله واحد } اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل . هو في محل رفع مبتدأ . إله خبره . واحد ، صفة للخبر . أي إنما هو معبود واحد لا شريك له . وليس من شيء في الكائنات إلا هو مستسلم لجلاله ووجل من سلطانه وجبروته . ومخبت لعزه وعظمته .
قوله : { وإني برئ مما تشركون } أي أبرأ من كل شريك تعبدونه مع الله وتصطنعون له الإلهية المختلقة فإني أربأ بنفسي من مثل ما تختلقون من الأنداد فإني لا أعبد شيئا من ذلك . إنما أعبد الله الذي خلق كل شيء{[1134]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.