الأولى - قوله تعالى : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " أمر بإخلاص العبادة لله ، ومجانبة المشركين والملحدين . قال مقاتل وغيره من المفسرين : نزلت الآية في رجل من المسلمين ، كان يقول في صلاته : يا رحمن يا رحيم . فقال رجل من مشركي مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا ، فما بال هذا يدعو ربين اثنين ؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " .
الثانية - جاء في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيه أن لله تسعة وتسعين اسما ؛ في أحدهما ما ليس في الآخر . وقد بينا ذلك في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) . قال ابن عطية - وذكر حديث الترمذي - وذلك الحديث ليس بالمتواتر ، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث . وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة " . ومعنى " أحصاها " عدها وحفظها . وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا . وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذي ، وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم . وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق بأحكامها ، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب . والله الموفق للصواب{[7489]} ، لا رب سواه .
الثالثة - واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى ، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في " الكتاب الأسنى " . قال ابن الحصار : وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية . فقوله : " ولله " وقع على المسمى . ، وقوله : " الأسماء " وهو جمع اسم واقع على التسميات . يدل على صحة ما قلناه قوله : " فادعوه بها " ، والهاء في قوله : " فادعوه " تعود على المسمى سبحانه وتعالى ، فهو المدعو . والهاء في قوله " بها " تعود على الأسماء ، وهي التسميات التي يدعى بها لا بغيرها . هذا الذي يقتضيه لسان العرب . ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد " الحديث . وقد تقدم في " البقرة " شيء من هذا{[7490]} . والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى ، أو صفة له تتعلق به ، وأنه غير التسمية . قال ابن العربي عند كلامه على قوله تعالى : " ولله الأسماء الحسنى " : فيه ثلاثة أقوال . قال بعض علمائنا : في ذلك دليل على أن الاسم المسمى ؛ لأنه لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى . الثاني : قال آخرون : المراد به التسميات ؛ لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع .
قلت : ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره . وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد : وتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف ، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى ، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به ، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو ، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له . ومنها صفات لذاته . ومنها صفات أفعال . وهذا هو تأويل قوله تعالى : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " أي التسميات الحسنى . الثالث : قال آخرون منهم : ولله الصفات .
الرابعة - سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب ، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله . والحسنى مصدر وصف به . ويجوز أن يقدر " الحسنى " فعلى ، مؤنث الأحسن ، كالكبرى تأنيث الأكبر ، والجمع الكبر والحسن .
وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل ، كما قال تعالى : " مآرب أخرى{[7491]} " [ طه : 18 ] و " يا جبال أوبي معه{[7492]} " [ سبأ : 10 ] .
الخامسة - قوله تعالى : " فادعوه بها " أي اطلبوا منه بأسمائه ؛ فيطلب بكل اسم ما يليق به ، تقول : يا رحيم ارحمني ، يا حكيم احكم لي ، يا رازق ارزقني ، يا هادي اهدني ، يا فتاح افتح لي ، يا تواب تب علي ، هكذا . فإن دعوت باسم عام قلت : يا مالك ارحمني ، يا عزيز احكم لي ، يا لطيف ارزقني . وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت : يا الله ، فهو متضمن لكل اسم . ولا تقول : يا رزاق اهدني ، إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير . قال ابن العربي : وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين . وقد تقدم في " البقرة{[7493]} " شرائط الدعاء ، وفي هذه السورة أيضا{[7494]} . والحمد لله .
السادسة - أدخل القاضي أبو بكر بن العربي عدة من الأسماء في أسمائه سبحانه ، مثل متم نوره ، وخير الوارثين ، وخير الماكرين ، ورابع ثلاثة ، وسادس خمسة ، والطيب ، والمعلم ، وأمثال ذلك . قال ابن الحصار : واقتدى في ذلك بابن برجان{[7495]} ، إذ ذكر في الأسماء " النظيف " وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة .
قلت : أما ما ذكر من قوله : " مما لم يرد في كتاب ولا سنة " فقد جاء في صحيح مسلم " الطيب " . وخرج الترمذي " النظيف " . وخرج عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه ( رب اعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي " الحديث . وقال فيه : حديث حسن صحيح .
فعلى هذا جائز أن يقال : يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي . والله أعلم . وقد ذكرنا " الطيب ، والنظيف " في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في الأخبار ، وعن السلف الأخيار ، وما يجوز أن يسمى به ويدعى ، وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى ، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى . حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري . وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : " يلحدون " الإلحاد : الميل وترك القصد ، يقال : ألحد الرجل في الدين . وألحد إذا مال . ومنه اللحد في القبر ؛ لأنه في ناحيته . وقرئ " يلحدون " لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه
أحدها : بالتغيير فيها كما فعله المشركون ، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم ، فاشتقوا اللات من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان قاله ابن عباس وقتادة . الثاني : بالزيادة فيها . الثالث : بالنقصان منها ؛ كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه ، ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله ؛ إلى غير ذلك مما لا يليق به . قال ابن العربي : " فحذار منها ، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة ، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي . فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها ، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف ، وذروا ما سواها ، ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا ؛ فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم .
الثانية - معنى الزيادة في الأسماء التشبيه ، والنقصان التعطيل . فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه ، والمعطلة سلبوه ما اتصف به ، ولذلك قال أهل الحق : إن ديننا طريق بين طريقين ، لا بتشبيه ولا بتعطيل . وسئل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال : إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ، ولا معطلة من الصفات . وقد قيل في قوله تعالى : " وذروا الذين يلحدون " معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم . فالآية على هذا منسوخة بالقتال . قاله ابن زيد . وقيل : معناه الوعيد ، كقوله تعالى : " ذرني ومن خلقت وحيدا{[7496]} " [ المدثر : 11 ] وقوله : " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا{[7497]} " [ الحجر : 3 ] . وهو الظاهر من الآية ؛ لقوله تعالى : " سيجزون ما كانوا يعلمون " . والله أعلم .
{ ولله الأسماء الحسنى } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " . وسبب نزول الآية : أن أبا جهل –لعنه الله- سمع بعض الصحابة يقرأ فيذكر الله مرة ، والرحمن أخرى ، فقال يزعم محمد أن الإله واحد وها هو يعبد آلهة كثيرة ، فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد ، والحسنى مصدر وصف به أو تأنيث أحسن ، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد .
{ فادعوه بها } أي : سموه بأسمائه : وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله تعالى ، فأما ما ورد منها في القرآن أو الحديث ، فيجوز إطلاقه على الله إجماعا وأما ما لم يرد وفيه مدح لا تتعلق به شبهة ، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره ، ورأوا أن أسماء الله موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث ، وقد ورد في كتاب الترمذي عدتها أعني تعيين التسعة والتسعين ، واختلف المحدثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفة على أبي هريرة ، وإنما الذي ورد في الصحيح كونها تسعة وتسعين من غير تعيين .
{ وذروا الذين يلحدون في أسمائه } قيل : معنى ذروا اتركوهم لا تحاجوهم ولا تتعرضوا لهم ، فالآية على هذا منسوخة بالقتال ، وقيل : معنى ذروا الوعيد والتهديد كقوله : { وذرني والمكذبين } [ المزمل : 11 ] ، وهو الأظهر لما بعده وإلحادهم في أسماء الله : هو ما قال أبو جهل فنزلت الآية بسببه ، وقيل : تسميته بما لا يليق ، وقيل : تسمية الأصنام باسمه كاشتقاقهم اللات من الله ، والعزى من العزيز .