لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

الخمر ما خامر العقول ، والخمر حرام .

والإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس .

ومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب ؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة .

وكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ .

وكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبَ عليه الحدُّ فكذلك من شَرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف .

وكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته .

وكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر ( فالغفلة ) ، أصلُ كلِّ زَلَّة ، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى .

ويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب ؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول ، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب ، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر ، وفي معناه أنشدوا :

فما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب *** عقار لحاظ كأسه يسكر اللُّبَّا

فصحوك من لفظي هو الوصل كله *** وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا

وحُرِّم الميسر في الشرع ، وفي شريعة الحب القوم مقهورون ؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير ، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير ، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر ، عليها خرجت القُرْعةُ من ( . . . . ) ، قال تعالى{ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ }[ الصافات : 141 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (90)

{ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر } وهو المسكر المتخذ من عصير العنب أو كل ما يخامر العقل ويغطيه من الأشربة . وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { والميسر } وهو القمار وعدوا منه اللعب بالجوز والكعاب { والانصاب } وهي الأصنام المنصوبة للعبادة ، وفرق بعضهم بين الأنصاب والأصنام بأن الأنصاب حجارة لم تصور كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها ، والأصنام ما صور وعبد من دون الله عز وجل { والازلام } وهي القداح وقد تقدم الكلام في ذلك على أتم وجه { رِجْسٌ } أي قذر تعاف عنه العقول ، وعن الزجاج الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح . وأصل معناه الصوت الشديد ولذا يقال للغمام رجاس لرعده والرجز بمعناه عند بعضهم/ . وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر والرجز العذاب والركس العذرة والنتن ، وإفراد الرجس مع أنه خبر عن متعدد لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير ، ومثل ذلك قوله تعالى : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 28 ] وقيل : لأنه خبر عن الخمر وخبر المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور . وقيل : لأن في الكلام مضافاً إلى تلك الأشياء وهو خبر عنه أي إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس .

وقوله سبحانه : { مِنْ عَمَلِ الشيطان } في موضع الرفع على أنه صفة { رِجْسٌ } أي كائن من عمله لأنه مسبب من تزيينه وتسويله ، وقيل : إن من للابتداء أي ناشىء من عمله . وعلى التقديرين لا ضير في جعل ذلك من العمل وإن كان ما ذكر من الأعيان . ودعوى أنه إذا قدر المضاف لم يحتج إلى ملاحظة علاقة السببية ولا إلى القول بأن من ابتدائية لا يخلو عن نظر { فاجتنبوه } أي الرجس أو جميع ما مر بتأويل ما مر أو التعاطي المقدر أو الشيطان { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي راجين فلاحكم أو لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر الكلام في ذلك ، ولقد أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بأنما وقرنا بالأصنام والأزلام وسميا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على غاية قبحهما وأمر بالاجتناب عن عينهما بناء على بعض الوجوه وجعله سبباً يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة . ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية فقال سبحانه :