" اللهم " معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا . فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق ، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ : يا مالكَ المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ ، ولا ظهير ولا قرين ، ولا مُقاسِمَ لكَ في الذات ، ولا مُسَاهِمَ في المُلْك ، ولا مُعَارِضَ في الإبداع .
{ تُؤْتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } .
حتى نعلم أن الملك لك ، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له ، ومنزوعٌ المُلْكُ ممن تكبَّر عليه ؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق ، وعِزُّهم في محوهم فيه ، وبقاؤهم في فنائهم به .
وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك ، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك ، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك . وتعزُّ من تشاء بأن تؤنسه بك ، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك . وتعز من تشاء بأن تشغله بك ، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك . وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه ، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه . وتعز من تشاء بطوالع أُنسه وتذل من تشاء بطوارق نفسه . وتعز من تشاء ببسطه بك ، وتذل من تشاء بقبضه عنك .
و{ تُؤتِى المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } يشد نطاق خدمتك ، { وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } بنفيه عن بساط عبادتك . توتي الملك من تشاء بإفراد سِرِّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق ، { وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ } بإقامته بالإرادة ، { وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ } يردُّه إلى ما عليه أهل العادة .
ولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب ، وتفاؤلاً بذكر الجميل ، وتطيراً من ذكر السوء .
{ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ } .
من الحجب والجذب ، ( والنصرة ) والخذلان ، والأخذ والرد ، والفرق والجمع ، والقبض والبسط .
قوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) .
قال ابن عباس وأنس بن مالك في سبب نزول ( قل اللهم مالك الملك ) لما افتتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم ، قالت المنافقون ، اليهود : هيهات هيهات . من أين لمحمد ملك فارس والروم ، هم أعز وأمنع من ذلك . ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في فارس والروم ؟ فأنزل الله هذه الآية{[438]} .
قوله : ( اللهم ) موضع خلاف لدى النحويين ، ونختار من أقوالهم ما نجده راجحا وهو أن ( اللهم ) معناه : يا ألله . والميم المشددة عوض عن : يا . وهو قول الخليل وسيبويه . وقيل غير ذلك{[439]} وبذلك يكون المعنى : يا مالك الملك . أي يا مالك الدنيا والآخرة . يا من له ملكوت الكون كله خالصا لك من غير شريك ولا نديد . أنت ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) أي تعطي من تشاء من عبادك في هذه الدنيا ما تشاء مما تملكه أو تسلطه عليه ، وأنت قادر كذلك على انتزاع هذا الملك من مالكه المتسلط عليه من الناس . وكذلك فإن الله يعز بفضله ورحمته من يشاء من عباده إذ يسلبه الملك ويسلط عليه عدوه . وهو جل جلال بيده الخير . واليد بمعنى القدرة ، أي أن الخير بقدرة الله يكتبه لمن يشاء من خلقه . وألف التعريف في الخير تفيد الاستغراق . أي أن الخير كله بيد الله وحده لا بيد غيره . على أن الخير كلمة جامعة يلج فيها كل وجوه النعمة والعطاء ، سواء في ذلك المال أو الجاه أو الشرف أو السلطان . ويأتي في ذروة ذلك كله نعمة الدين والإيمان . وذلك مقتضى قوله : ( تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ) فهذه حقائق راسخة عن عظيم شأن الله وعظيم قدرته مما ينبثق عن التصور العظيم لألوهية الله المدبر لأمور الكون جميعا والذي بيده ملكوت كل شيء . فمثل هاتيك الحقائق الثوابت الكبريات تجليها العبارة القرآنية الفذة ( إنك على كل شيء قدير ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.