في الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالاً . . . كذلك جعل في ظل عنايته لأوليائه مثوًى وقراراً .
وكما سَتَرَ ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرَّ ، وسرابيل تقيكم بأس عدوكم ، - كذلك ألبس سرائركم لباساً يلفكم به في السراء والضراء ، ولباسَ العصمة يحميكم من مخالفته ، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته ، وكساكم بحُلَلِ الوصل مما يؤهلكم لقربته وصحبته .
قوله : { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ . . . } ، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتُهم مختومة بالخير ، ويكفيهم أمورَ الدين والدنيا ، ويصونهم عن اتباع الهوى ، ويُسَدِّدُهم حتى يؤثروا ما يوجِبُ من الله الرضاء .
{ ظلالاً ومن الجبال أكناناً } ، أي : ما تستظلون به من حر الشمس ، وما تسكنون به في غيران الجبال .
{ وسرابيل } ، أي : قمصاناً تقيكم الحر والبرد .
{ وسرابيل تقيكم بأسكم } ، أي : دروعاً تقيكم الضرب والطعان في الحرب .
{ لعلكم تسلمون } ، أي : رجاء أن تسلموا له قلوبكم ووجوهكم فتعبدوه وحده .
وقوله : { والله جعل لكم مما خلق } ، من أشياء كثيرة ، { ظلالاً } ، تستظلون بها من حر الشمس . { وجعل لكم من الجبال أكناناً } ، تكنون فيها أنفسكم من المطر والبرد أو الحر ، وهي غيران وكهوف في الجبال ، { وجعل لكم سرابيل } ، قمصان ، { تقيكم الحر } والبرد ، { وسرابيل } : هي الدروع ، { تقيكم بأسكم } ، في الحرب ، تتقون بها ضرب السيوف وطعن الرماح . أليس الذي جعل لكم من هذه كلها أحق بعبادتكم وطاعتكم ، وهكذا : { يتم نعمته عليكم } ، فبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه ؛ ليعدكم للإسلام فتسلموا .
{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ } ، أي : من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها ، { ظِلَالًا } ، وذلك كأظلة الأشجار والجبال والآكام ونحوها ، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا } أي : مغارات تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء .
{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } ، أي : ألبسة وثيابا ، { تَقِيكُمُ الْحَرَّ } ، ولم يذكر الله البرد ؛ لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم ، وآخرها في مكملاتها ومتمماتها ، ووقاية البرد من أصول النعم ، فإنه من الضرورة ، وقد ذكره في أولها في قوله { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ } .
{ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } ، أي : وثيابا تقيكم وقت البأس والحرب من السلاح ، وذلك كالدروع والزرد ونحوها ، كذلك يتم نعمته عليكم ، حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر ، { لَعَلَّكُمْ } إذا ذكرتم نعمة الله ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه ، { تُسْلِمُونَ } لعظمته وتنقادون لأمره ، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها ، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر ، والثناء بها على الله تعالى ، ولكن أبى الظالمون إلا تمردا وعنادا .
{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) }
والله جعل لكم ما تستظلُّون به من الأشجار وغيرها ، وجعل لكم في الجبال من المغارات والكهوف أماكن تلجؤون إليها عند الحاجة ، وجعل لكم ثيابًا من القطن والصوف وغيرهما ، تحفظكم من الحر والبرد ، وجعل لكم من الحديد ما يردُّ عنكم الطعن والأذى في حروبكم ، كما أنعم الله عليكم بهذه النعم يتمُّ نعمته عليكم ببيان الدين الحق ؛ لتستسلموا لأمر الله وحده ، ولا تشركوا به شيئًا في عبادته .
قوله : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) ، الظلال ، جمع ظل : وهو كل ما يستظل به من شجرة ونحوها . وقد يستظل كذلك بالغمام أو السحاب{[2581]} .
والظل الرخي الرطيب بفيئة الوارف المرغوب يحتاجه المسافرون والراحلون من مكان إلى آخر في ساعات الهجير حيث استعار الشمس والحرور ، فيدركون عندئذ أن الظل نعمة أيما نعمة . على أن خلْق الظل في ذاته لا جرم دليل على قدرة الصانع ، الذي أوجد في مركبات الطبيعة خواصها ، فجعل فيها الحرارة والبرودة والظل الظليل .
قوله : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) ، الأكنان ، والأكنة ، جمع ومفرده كنان بالكسر . وهو وقاء كل شيء وستره . واستكن ، استتر . كن الشيء ، أي : ستره وصانه من الشمس . وأكنه في نفسه ؛ أي : أسرّه . والكن بالضم ، بمعنى : الستر . والأكنة : الأغطية{[2582]} . والله يمن على عباده أن جعل لهم من الجبال أماكن يسكنون بها ويستترون ، وذلك كالغيران والكهوف والبيوت المنحوثة . جعلها الله عدة للناس عند الحاجة ، فيأوون إليها ويتحصنون بها من الرياح والمطر والحر ، ويعتزلون بداخلها عن الناس . وها هو رسول رب العالمين ، سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أوى إلى كهف في حراء للتحنث{[2583]} ، ثم من بعده في ثور في طريقه مهاجرا إلى مكة .
قوله : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) ، السرابيل ، جمع ومفرده السربال ، وهو القميص المتخذ من القطن أو الكتان أو الصوف . وقد اكتفى بذكر الحر في الآية ؛ لأن العلم بأحد الضدين وهو الحر ، يستلزم العلم بالضد الآخر وهو البرد .
قوله : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) ، البأس معناه الشدة . والمراد بها ههنا : شدة الطعن والضرب والرمي . والسرابيل التي تدرأ أذى المعتدين عمن يلبسها ، يراد بها : الدروع من الحديد . وهذا يدل على اتخاذ العدة للجهاد للاستعانة بها على قتال الأعداء . ولا مساغ للمسلم أن يستسلم للهوان والطعن والضرب من غير أن يحتاط لنفسه تمام الحيطة ، وأن يتخذ لذلك عدته من لبس لأمة{[2584]} الحرب .
قوله : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ، الكاف في اسم الإشارة ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل ذلك الإتمام يتم الله نعمته عليكم . فمثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم ؛ فإنه يتم عليكم نعمة الدنيا والدين ، ( لعلكم تسلمون ) بضم التاء ، وهو قول أكثر المفسرين ؛ أي : تخلصون لله الربوبية ، وتستسلمون لأمره ، وتبادرون لطاعته شكرا لنعمه عليكم .