لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (196)

إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته ، وإراقة الدماء التي تجب فيها ( دون ) التقصير في بعض أحوالها .

وفي التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك .

وعلى لسان الإشارة الحج هو القَصْد ؛ فَقَصْدٌ إلى بيت الحق وقصد إلى الحق ، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص .

وكما أن الذي يحج بنفسه يُحْرِمُ ويَقِفُ ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق ، فكذلك من يحج بقلبه ؛ فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح ، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره ، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى ، وإطلاق خواطر المنى ، وما في هذا المعنى . ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع ، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك .

وأفضل الحج الشُّج والعجَّ ؛ الشَّجُّ صَبُّ الدَّم والعجُّ رفع الصوت بالتلبية ، فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف ، ورفع أصوات السِّر بدوام الاستغاثة ، وحسن الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة . وموقف النفوس عَرَفات وموقف القلوب الأسامي والصفات لِعِزِّ الذات ( عند ) المواصلات . ثم طواف القلوب حول ( مشاهدة ) العز ، والسعي بالأسرار بين صَفَّيِّ كشف الجلال ولطف الجمال .

ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات ، والمنى والمعارضات : بكل وجه .

قوله جلّ ذكره : { فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ } .

الحصر بأمرين بعدو أو مرض .

والإشارة فيه إنْ استولى عدو النفس فلم تجد بداً من الإناخة بعقوة الرُّخَص وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع الحُكمْ . { الهَدْىِ } الذي يهدي به عند التحلل بالعذر ، والخروج عن المعلوم ، وتسليمه للفقراء ، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر . وإن مَرِضَتْ الواردات وسَقِمتْ القصود وآل الأمرُ إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه في الحج الظاهر يجتهد بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك - بشرط الفدية .

ثم إن عجز ، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد في أوصاف القصد وأحكام الإرادة ، فإِن رجع - والعياذ بالله - لم يُقابَلْ إلا بالردِّ والصد ، وقيل :

فلا عن قِلى كان التقرب بيننا *** ولكنه دهر يُشِتُّ ويجمع

وقال الآخر :

ولستُ - وإنْ أحببتُ مَنْ يَسْكُن الفضا *** بأولِّ راجٍ حاجة لا ينالها

قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .

يبذل ما أمكنه ، ويخرج عن جميع ما يملكه ، وعليه آثار الحسرة ، واستشعار أحزان الحجبة .

فمن كان منكم مريضاً . . . الخ : الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على الأولياء ، والخدمة للفقراء ، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء .

قوله جلّ ذكره : { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضري المَسْجِدِ الحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } .

فإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز ، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس الوصلة وأشرف نون الإقبال في تضاعيف أيام الوقفة ، فليستأنِف للوصلة وقتاً ، وليفرش للقربة بساطاً ، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطاً ، ولَيَقُلْ : حَيِّ على البهجة‍ ! فقد مضت أيام المحنة .

وليُكْمِل الحج والعمرة ، وَلْيَسْتَدِم القِيَام بأحكام الصحبة والخدمة .

{ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ } بالحجاب لمن لم يُرِه أَهِلَّة الوصلة والاقتراب .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (196)

{ أحصرتم }منعتم بعد الاحرام من الوصول إلى البيت ، أو نحوهما . أو بسبب العدو فقط . من الاحصار ، وهو الحبس والتضييق .

{ فما استيسر من الهدى } أي فعليكم إذا أردتم التحلل من الاحرام ذبح ما تيسر لكم من الهدى ، وهو ما يهدى إلى البيت ، من بدنة أو بقرة أو شاة . مصدر بمعنى المفعول ، أي الهدى .

{ ولاتحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله } أي ولا تتحللوا بالحلق حتى تعلموا أن الهدي المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه ، وهو الحرم ، لقوله تعالى : { ثم محلها على البيت العتيق }1 ، وقوله : { هديا بالغ الكعبة } . 2 وإليه ذهب أبو حنيفة . أو لا تحلوا حتى يبلغ الهدي محله ، أي يذبح في موضع الاحصار ، حلا كان أو حرما ، وإليه ذهب جمهور الأئمة . ويستفاد حكم غير المحصر من الآية بدلالة النص ، كما ذكره الآلوسي .

{ نسك } ذبيحة ، وأقلها شاة . وأصل النسك : سبائك الفضة التي خلصت من الخبث ،

وكل سبيكة منها نسيكة . ومنه قيل للمتعبد : ناسك ، لأنه خلص نفسه لله تعالى من دنس الآثام ، كالسبيكة المخلصة من الخبث . ثم قيل للذبيحة : نسك ونسيكة ، لأنها من أشرف العبادات والقربات .

{ فما استيسر من الهدي } أي فعليه ما تيسر له من الهدى بسبب التمتع .

( 1 ) آية 33 الحج . ( 2 ) آية 95

{ ذلك } أي التمتع أو الحكم المذكور . أي لزوم الهدي أو بدله على المتمتع .

{ حاضري المسجد الحرام } حاضرو المسجد الحرام : هم أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت . أوهم أهل مكة خاصة . أوهم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وإلى الأول ذهب الحنفية ، وإلى الثاني المالكية ، وإلى الثالث أحمد والشافعي رحمهما الله وتفصيل الأدلة في الفروع .