قوله جل ذكره : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } .
مَنْ كان يريد العزة بنفسه فَلْيَعْلَمْ أَنَّ العزةَ بجملتها لله ، فليس للمخلوق شيءٌ من العِزَّة . ويقال مَنْ كان يريد العزةَ لنفسه فللَّه العِزَّةُ جميعاً ، أي فليطلبها من الله ، وفي آية أخرى أثبت العزة للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين ، وقال ها هنا { فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } ؛ وَوَجْهُ الجميع بينها أن عِزَّ الربوبية لله وَصْفاً ، وعزَّ الرسول ، وعزّ المؤمنين لهم فضلاً من الله ولطفاً ؛ فإذاً العِزَّةُ لله جميعاً . وعزُّه سبحانه - قُدْرتَُه . أو ويقال العزيز هو القاهر الذي لا يُقْهَرُ ؛ فيكون من صفات فعله على أول القولين . . ومن صفات ذاته على القول الآخر . ويقال العزيز هو الذي لا يُوصَلُ إليه مِنْ قولِهم : أرضٌ عَزاز إذا لم تستقر عليها الأقدام ، فيرجع معناه إلى جلال سلطانه .
ويقال العزيز الذي لا مِثْلَ له ؛ من قولهم ؛ عَزَّ الطعام في اليد . فيرجع إلى استحقاقه لصفات المجد والعلو .
قوله : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } : الكلم الطيب هو الصادرُ عن عقيدةٍ طيبةٍ- يعني الشهادتين- عن إخلاص . وأراد به صعودَ قَبُولٍ ، لأنَّ حقيقةَ الصعود في اللغة بمعنى الخروج- ولا يجوز في صفة الكلام .
{ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } : أي يقبله . ويقال العملُ الصالحُ يرفع الكَلِمَ الطيب . ويقال الكَلِمُ الطيبُ ما يكون موافقاً للسُّنَّة ، ويقال هو ما يشهد بِصِحَّتِه الإذنُ والتوقيف . ويقال هو نُطْقُ القلبِ بالثناء على ما يستوجبه الربُّ . ويقال هو ما يكون دُعاءً للمسلمين . ويقال ما يتجرد حقاً للحقِّ ولا يكون فيه حَظٌّ للعبد . ويقال ما هو مُسْتَخْرَجٌ من العبد وهو فيه مفقود . ويقال هو بيانُ التنصُّل وكلمة الاستغفار .
ويقال العمل الصالح ما يصلح للقبول ، ويقال الذي ليس فيه آفة ولا يُطْلَبُ عليه عِوَضٌ .
قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } .
أي يَقْلِبُ عليهم مَكْرَهم فيما يتوهمونه من خيرٍ لهم يَقْلِبُه محنةً عليهم . ويقال : تَخْلِيَتُه إياهم ومَكْرَهم - مع قدرته على عصمتهم ، وكَوْنُه لا يعصمهم هي عذابهم الشديد .
{ من كان يريد العزة } أي الشرف والمنعة ؛ من قولهم : أرض عزاز ، أي صلبة قوية . أي من كان يريد العزة التي لا ذلة معها فليعتز بالله تعالى{ فلله العزة جميعا } في الدنيا والآخرة ، دون ما عبدوه من الأوثان وغيرها . ومن اعتز بالله أعزه الله ، ومن اعتز بالعبيد أذله الله . وكان المشركون يتعززون بالأصنام ؛ كما قال تعالى : " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا " {[288]} والمنافقون يتعززون بالمشركين ؛ كما قال تعالى : " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة {[289]} " . { إليه يصعد الكلم الطيب } هو كل كلام هو ذكر لله تعالى . أو هو لله سبحانه ؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والعلم النافع . وصعوده إليه : قبوله والرضا به . أو صعود صحائفه . أي إليه تعالى لا إلى غيره يصعد الكلم الطيب ؛ أي يقبل عنده ويكون مرضيا . أو ترفع الصحف التي هو فيها فيجازى الله يوم القيامة أصحابها بالحسنى . وهو بيان لطريق تحصيل العزة وحث على سلوك سبيلها . { والعمل الصالح يرفعه } أي يرفعه الله ويقبله
من المؤمنين ؛ فالفاعل ضمير عائد إلى الله ، والضمير المنصوب عائد إلى العمل . { ومكر أولئك هو يبور } أي يبطل ويفسد فلا ينفعهم ؛ من البوار [ آية 28 إبراهيم ص 413 ] . والمشار إليهم هم صناديد قريش الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.