الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ} (10)

قوله تعالى ذكره : { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا }10 إلى قوله : { ولعلكم تشكرون } 12 .

أي : من كان يريد العزة بعبادة الأوثان والأصنام فإن لله العزة جميعا ، قاله مجاهد{[56112]} .

وقال قتادة : معناه : من كان يريد أن يتعزز فليتعزز بطاعة الله{[56113]} وقال الفراء : معناه من كان يريد علم العزة فإنها لله جميعا ، أي : كلها له{[56114]} .

وقيل : المعنى من كان يريد العزة التي لا ذلة تعقبها فهي لله ، لأن العزة إذا أعقبتها ذلة فهي ذلة إذ قصاراها للذلة{[56115]} .

و " جميعا " منصوب على الحال{[56116]} أي : إن العزة في حال اجتماعها له في الدنيا والآخرة .

ثم قال تعالى ذكره : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } أي : إلى الله يصعد ذكر العبد ربه ، ويرفع ذكر العبد ربه العمل الصالح ، وهو العمل بطاعة الله .

ويقال : الكلم الطيب هو لا إله إلا الله ، يرفعه عمل الفرائض فإذا قال العبد لا إله إلا الله نظرت الملائكة إلى عمله ، فإن كان عمله موافقا لقوله صعدا جميعا ولهما دوي كدوي النحل حتى يقف بين يدي الله تعالى ، فينظر إلى قائلها نظرة لا يبؤس بعدها أبدا ، وإذا كان عمله مخالفا لقوله ، وقف حتى يموت من عمله .

قال عبد الله : إنا إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله عز وجل ، إن العبد المسلم إذا قال : سبحان الله وبحمده الحمد لله لا إله إلا الله والله أكبر تبارك الله ، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم يصعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن ثم قرأ عبد الله :

{ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }{[56117]} .

وقال كعب : إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن . والعمل في الخزائن{[56118]} .

قال ابن عباس : { الكلم الطيب } ذكر الله و{ العمل الصالح } أداء فرائضه فمن ذكر الله في أداء فرائضه ، حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله سبحانه .

ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به{[56119]} . وكذلك قال الحسن وابن جبير ومجاهد وأبو العالية{[56120]} والضحاك{[56121]} وقال شهر بن حوشب{[56122]} .

" الكلم الطيب " القرآن ، " والعمل الصالح " يرفع القرآن{[56123]} . أي التوحيد يرفع القرآن .

روي عن ابن مسعود أنه قال : إذا حدثناكم بحديث آتيناكم بتصديقه من كتاب الله عز وجل : خمس ما قالهن عبد مسلم إلا قبض عليهن ملك فجعلهن تحت جناحه فيصعد بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها الرحمن : الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك وتعالى ثم قرأ : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }{[56124]} .

وعن قتادة أنه قال : العمل الصالح يرفعه الله{[56125]} . ويجب على هذا القول أن يكون الاختيار نصب " والعمل الصالح " .

وقيل : إن المعنى : والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب . ويجب أيضا على هذا التأويل أن يكون الاختيار نصب " العمل الصالح " ولم يقرأ به أحد غير عيسى بن عمر{[56126]} .

وما تقدم عند هذين من التأويلات لا يلزم فيها نصب " العمل " لأن الضمير لا يعود على العمل .

ثم قال : { والذين يمكرون السيئات } أي يكتسبونها .

{ لهم عذاب شديد } يعني عذاب جهنم .

ثم قال : { ومكر أولئك هو يبور } أي وعمل هؤلاء المشركين هو يبطل ويهلك لأنه لم يكن لله .

قال قتادة : يبور : يفسد{[56127]} . يقال بار ، يبور إذا هلك{[56128]} .

وقال شهر بن حوشب : هم أصحاب الرياء{[56129]} .

وقال أبو إسحاق : وقد بين الله مكرهم في سورة الأنفال فقال : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك{[56130]} }{[56131]} .

" الكلم الطيب " وقف إلا على قراءة من نصب " والعمل " .


[56112]:انظر: جامع البيان 22/120 والدر المنثور 7/8 وتفسير مجاهد 557
[56113]:انظر: جامع البيان 22/120، والبحر المحيط 7/303
[56114]:انظر: معاني الفراء 2/367 والمحرر الوجيز 13/158 والجامع للقرطبي 14/328، والبحر المحيط 7/303
[56115]:انظر: إعراب النحاس 3/364 والجامع للقرطبي 14/328
[56116]:انظر: الجامع للقرطبي 14/328
[56117]:انظر: جامع البيان 22/120 وتفسير ابن كثير 3/550 والدر المنثور 7/9ـ8
[56118]:انظر: جامع البيان 22/121، وتفسير ابن كثير 3/550
[56119]:انظر: جامع البيان 22/121
[56120]:هو رفيع بن مهران أبو العالية تابعي، مفسر، مقرئ، قرأ القرآن على أبي سمع من عمر وعائشة وابن مسعود وعلي. وحدث عنه قتادة. وأبو عمرو بن العلاء. توفي سنة 90هـ انظر: صفة الصفوة 1/211، 485 وتذكرة الحفاظ 1/61، 50
[56121]:انظر: جامع البيان 22/121 والدر المنثور 7/9
[56122]:هو أبو سعيد شهر بن حوشب الأشعري الشامي ثم البصري تابعي مشهور، روى عن أبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وجماعة، وروى عنه قتادة وعاصم وجماعة. توفي سنة 100 هـ انظر: حلية الأولياء 6/59 328 وغاية النهاية 1/329، 1434، وتهذيب التهذيب 4/369، 625
[56123]:انظر: الجامع للقرطبي 14/331 والدر المنثور 7/9
[56124]:انظر: جامع البيان 22/120 والمستدرك للحاكم 2/425
[56125]:انظر: فتح القدير 4/341
[56126]:انظر: المختصر لابن خالويه 123، والجامع للقرطبي 14/331، وفتح القدير 4/341، وقد نسب ابن خالويه هذه القراءة إلى عيسى وابن أبي عبلة
[56127]:انظر: جامع البيان 22/121 والدر المنثور 7/10
[56128]:انظر: اللسان مادة "بور" 4/86
[56129]:انظر: جامع البيان 22/121، والجامع للقرطبي 14/332، وتفسير ابن كثير 3/550، والدر المنثور 7/10
[56130]:الأنفال: آية 30
[56131]:انظر: معاني الزجاج 4/265