لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ} (57)

وضَرْبُ المَثَلِ بعيسى هو قوله : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ } [ آل عمران : 59 ] ؛ خَلَقَ عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين . فجحدوا بهذه الآية .

وقيل هو قوله : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] فقالوا : رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعُزَيْر والملائكة ، وليس لهم في الآية موضع ذِكرْ ؛ لأنه سبحانه قال : " وما " تعبدون ، ولم يقل " ومن " تعبدون .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ} (57)

يصدّون : يصيحون ويضجّون .

لقد جادل مشركو قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم جدلا كثيرا ، من ذلك أن الرسول الكريم لما تلا عليهم : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] قال له عبدُ الله بن الزِبِعْرَي - وهو من شعراء قريش وقد أَسلمَ وحسُنَ إسلامه فيما بعد- : أليس النصارى يعبدون المسيح وأنتَ تقول كان عيسى نبياً صالحاً ، فإن كان في النار فقد رضينا . فأنزل الله تعالى بعد ذلك : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء : 101 ] .

وجادلوه بعد ذلك كثيرا ، ولذلك يقول الله تعالى :

{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ }

لما بين الله وَصْفَ عيسى الحقَّ من أنه عبدٌ مخلوق ، وعبادتُه كفرٌ ، إذا قومك أيها النبي يُعرِضون عن كل هذا .

قراءات :

قرأ الكسائي ونافع وابن عامر : يصُدون بضم الصاد . والباقون : بكسرها .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ} (57)

ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى ، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ . . . وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } .

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً . . } روايات منها : أنه لما نزل قوله - تعالى - : { وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ . . . } تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أن نتخذه إلها ، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى - { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً . . } .

وقال الواحدى : أكثر المفسرين على أن هذه الآية ، " نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل أن يسلم - مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه لما نزل قوله - تعالى - : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } . قال ابن الزبعرى خصمتك - يا محمد - ورب الكعبة . أليست النصارى يعبدون المسيح ، واليهود يعبدون عزيرا ، وبنو مليح يعبدون الملائكة ؟ فإن كان هؤلاء من النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار ؟

فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : " ما أجهلك بلغة قومك ؟ أما فهمت أن ( ما ) لما لا يعقل " ؟ . وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إنهم يعبدون الشيطان " وأنزل الله - تعالى - : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } .

وكلمة { يَصِدُّونَ } قرأها الجمهور بكسر الصاد . وقرأها ابن عامر والكسائى بضم الصاد . وهما بمعنى واحد . ومعناهما : يضجون ويصيحون فرحا . يقال : صد يصد - بكسر الصاد وضمها - بمعنى ضج - كعكف - بضم الكاف وكسرها .

ويرى بعضهم أن { يَصِدُّونَ } - بكسر الصاد - بمعنى : يضجون ويصيحون ويضحكون . . وأن { يَصِدُّونَ } - بضم الصاد - بمعنى الصاد - بمعنى يعرضون . من الصد بمعنى الإِعراض عن الحق .

والمعنى : وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا ، وحاجك بعبادة النصارى له ، فاجأك قومك - كفار قريش - بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج والضحك ، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى ، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة .

فمن فى قوله { مِنْهُ } الظاهر أنها للسببية ، كما فى قوله - تعالى - : { مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً . . . } والمراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان .

قال الآلوسى : والحجة لما كانت تسير مصير الأمثال شهرة ، قيل لها مثل . أو المثل بمعنى المثال . أى : جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب : الحج عرفة .