قوله جلّ ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وَجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ } .
كما أنَّ في الشريعة لا تصحُّ الصلاةُ بغيرِ الطهور فلا تصحُّ - في الحقيقة - بغير طهور .
وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر أيضاً طهارة ، وطهارةُ الأبدان بماء السماء أي المطر ، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل ، ثم بماء الحياء والوجل .
وكما يجب غسلُ الوجهِ عند القيام إلى الصلاة يجب - في بيان الإشارة - صيانة الوجه عن التبذُّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض .
وكما يجب غسلُ اليدين في اليدين في الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة .
وكما يجب مسحُ الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد .
وكما يجب غسل الرِجْلين في الطهارة يجب صونهما في الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز .
قوله جلّ ذكره : { وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُمْ مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } .
كما يقتضي غسل جميع البدن في الطهارة ، كذلك في الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء ؛ وذلك عندما تقع للمريد فَتْرةٌ فيقوم بتجديد عقدٍ ، وتأكيد عهد ، والتزام عزامة ، وتسليم وقتٍ ، واستدامة ندامة ، واستشعار خجل .
وكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرْضُه التَّيَمُمْ فكذلك إذا لم يجد المريد مَنْ يفيض عليه صَوْبَ همته ، ويغسله ببركات إشارته ، ويعينه بما يؤوب به من زيادة حالته - اشتغل بما تيسَّر له من اقتفاء آثارهم ، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سِيَرِهِم ، وما ورد من حكاياتهم .
وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف .
قوله جلّ ذكره : { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ } .
وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فلْيَحْطُطْ رِجْلَه بساحات العبادة ، فإذا عَدِمَ اللطائف في سرائره فَلْيَسْتَدِمْ الوظائف على ظاهره ، وإذا لم يتحقَّقْ بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة ، وإن لم يتحرج عن تَرْكِه الفضيلة فلا يدنسْ تصرفه بالحرام والشبهة .
قوله جلّ ذكره : { وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } .
أي يظهر ظواهركم عن الزلة بعصمته ، ويظهر قلوبكم عن الغفلة برحمته .
ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال ، ويطهر ظواهركم عن الوقوع في شِباك الأشغال .
ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنُّسَ المقادير بالأعلال .
قوله جلّ ذكره : { وَلِيُتِمَّ نَعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
إتمام النعمة على قومٍ بنجاة نفوسهم ، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم ، وشتَّان بين قوم وقوم ! .
ويقال إتمام النعمة في وفاء العاقبة ؛ فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تَمتْ سعادته ، وصَفَتْ نعمته .
ويقال إتمام النعمة في شهود المنعِم ؛ فإنَّ وجودَ النعمة لكل أحد ولكنَّ إتمامَها في شهود المنعِم .
إن أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، ولا يمكن إقامتها إلا مع توافر الطهارة . لذلك بدأ سبحانه في بيان كيفية الوضوء . فأبان :
إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة ، أيها المؤمنون ، ولم تكونوا متوضئين ، فابدأوا بغسل وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا رؤوسكم كلَّها أو بعضها ، واغسِلوا أرجلكم إلى الكعبين .
هذه هي فروض الوضوء ، أما سُننه ومستحباته فهي مفصّلة في كتب الفقه . وعند الشيعة الإمامية يجب مسح ظاهر القدمين إلى الكعبين فقط . وقد قال بعض علماء السلَف بالمسح ، لكنْ مسح القدمين بكاملهما إلى الكعبين .
أما إذا كنتم جنُباً وتودون الصلاة فعليكم أن تتطهروا بغسل جميع جسدكم بالماء . وإن كنتم مرضى مرضاً يضر معه استعمال الماء فتيمّموا . فإن كنتم مسافرين ولم تجدوا ماء فتيمّموا . وإذا ذهبتم لقضاء الحاجة ، أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء فتيمموا أيضاً ، ففي ذلك كفاية .
وكيفية التيمُّم أن يضربَ بكفّيه على التراب ويمسح بهما وجهه ، ثم يضرب ضربةً أخرى يمسح بها كفّيه إلى الرسغين .
الترخيص تيسيرٌ من فضل الله ، فهو لا يريد أن يُحرجنا ، بل أن يطهّرنا ظاهراً وباطناً وأن يُتم نِعمَه علينا بالهداية والبيان والتيسير ، حتى نشكره على ذلك بالمداومة على طاعته . انظر الآية ( 43 ) من سورة النساء .
قرأ ابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب «وأرجلكم » بنصبه ، وقرأ حمزة والكسائي «وأرجلكم » بجره ، عطفاً على «رؤوسكم » . وقرأ حمزة والكسائي «لمستم » دون ألف ، والباقون «لامستم » .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.