قوله جلّ ذكره : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ } .
وأكل الميتة أن تتناول من عِرْضِ أخيك على وجه الغيبة ، وليس ذلك مما فيه رخصةٌ بحالٍ لا بالاضطرارِ ولا بالاختيارِ ، وغير هذا من المَيْتَةِ مباحٌ في حالِ الضرورة .
ويقال كما أَنَّ في الحيوان ما يكون المزكى منه مباحاً والميتة منه حراماً فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطَهَّرَ نفسه - مُبَاحٌ قربه ، حلال صحبته . ومَنْ ماتت نفسه في ظلمة غفلته حتى لا إحساسَ له بالأمور الدينية فخبيثةٌ نفسه ، محظورٌ قُربُه ، حرام معاشرته ، غيرُ مباركةٍ صحبتِه .
وإنَّ السلف سموا الدنيا خنزيرةً ، ورأوا أَنَّ ما يُلْهِي قربُهُ ، ويُنْسِي المعبودَ ركونُه ، ويحمل على العصيان جنوحُه - فهو مُحرَّمٌ على القلوب ؛ ففي طريقة القوم حبُّ الدنيا حرامٌ على القلوب ، وإن كان إمساكُ بعضها حلالاً على الأبدان والنفوس .
قوله جلّ ذكره : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ } .
كما أنَّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيِّبٍ فَمَنْ بَذَلَ رُوحَه فيه وَجَدَ رُوْحه منه ، ومن تهارشته كلاب الدنيا ، وقلته مخالب الأطماع ، وأَسَرَتْهُ مطالبُ الأغراض والأعراض - فحرامٌ ماله على أهل الحقائق في مذهب التعزز ، فللشريعَةِ الظرف والتقدير .
وأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك في حِبال المنى والرغائب ، وأخذه خناقُ الطمع ، وخنقته سلاسل ( الحِرْص ) فحرامٌ على السالكين سلوك خطتهم ، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم .
وأمَّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جُبِلَت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهي التي ذهبت بلا عوض حصل منها ، وأمثال ذلك حرامٌ على أهل هذه القصة .
والإشارة من المتردية إلى من هلك في أودية التفرقة ، وعمي عن استبصار رشد الحقيقة ؛ فهو يهيم في مفاوز الظنون ، وينهك في متاهات المنى .
والإشارة من النطيحة إلى من صَارَعَ الأمثال ، وقارع الأشكال ، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم ، وهزموه بزيادة تكلبهم ، وكذلك الإشارة من :
قوله جلّ ذكره : { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } .
وأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا ، فإن الدنيا جيفة ، وأَكَلَةُ الجيفِ الكلابُ ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله ؛ لأن زادَ المؤمِنِ من الدنيا : ما كان لله فهو محمود ، وما كان للنَّفْس فهو مذموم .
قوله جلّ ذكره : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ } .
فهو ما أُرْصِدَ لغير الله ، ومقصودُ كلِّ حريص - بموجب شرعه - معبودُه من حيث هواه قال الله تعالى :
{ أَفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }[ الجاثية : 23 ] يعني اتخذ هواه إلهه .
{ وَأَن تَسَتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ } ، الإشارة منه إلى كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية - لا على وجه الإذن - إذ القمار ذلك معناه . وقَلَّتْ المعاملات المجرَّدَة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت .
قوله جلّ ذكره : { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } .
أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين .
قوله جلّ ذكره : { اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشُونِ } .
أي بعدما أزَحتُم عن قلوبكم آثار الحسبان ، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن فلا تلاحظوا سواي ، ولا يُظَلِّلَنْ قلوبكم إشفاقٌ من غيري .
ويقال إذا كانت البصائرُ متحققة بأن النَّفع والضر ، والخير والشر لا تحصل شظية منها إلا بقدرة الحق - سبحانه ، فمن المحال أن تنطوي - من مخلوق - على رَغَبٍ أو رَهَبٍ .
قوله جلّ ذكره : { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }
إكمالُه الدين - وقد أضافه إلى نفسه - صَوْنُه العقيدة عن النقصان ؛ وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أَمَّلها بأنوار تأييده وتسديده ، حتى وضعوا النظر مَوْضِعَه من غير تقصيرٍ ، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور .
ويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول في الحال : فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول ، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول .
ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد علَّمك .
ويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل - أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار .
وإنما أراد بذكر { اليَوْمَ } وقتَ نزول الآية . وتقييد الوقت في الخطاب بقوله { اليَوْمَ } لا يعود إلى عين إكمال الدِّين ، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت .
والدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله ، والموهوبُ ما سبق منه حصوله .
قوله جلّ ذكره : { وََأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } .
النعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة المذكورة ها هنا نعمة الدِّين ، وإتمامها وفاء المآل ، واقتران الغفران وحصوله . فإكمال الدين تحقيق المعرفة ، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة . وهذا خطاب لجماعة المسلمين ، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين ، وإنما الشك يعتري في الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان ؟
قوله جلّ ذكره : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } .
وذلك لما قَسَمَ للخَلْق أديانَهم ؛ فخصّ قوماً باليهودية ، وقوماً بالنصرانية ، إلى غير ذلك من النِّحَلِ والمِلَلِ ، وافرد المسلمين بالتوحيد والغفران .
وقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام ، فقالوا : الإتمام يقبل الزيادة ، فلذلك وَصَفَ به النعمة لقبول النِّعم للزيادة ، ولا رتبةَ بعد الكمال فلذلك وصف به الدين .
ويقال لا فرق بين الدِّين والنعمة المذكورة ها هنا ، وإنما ذُكِرَ بلفظين على جهة التأكيد ، ثم أضافه إلى نفسه فقال : { نِعمَتي } وإلى العبد فقال : { دِينِكُمْ } . فَوَجْهُ إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب ، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخَلْق . فالدين من الله عطاء ، ومن العبد عناء ، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاعٍ في السِّرِّ .
قوله جلّ ذكره : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
الإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالكٍ فترة ، أو لمريدٍ في السلوك وقفة ، ثم تنبَّه لعظيم وقاعة فبادر إلى جميع الرَّجْعَةِ باستشعار التحسّر على ما جرى تَدارَكَتْه الرحمةُ ، ونظر الله - سبحانه - إليه بقبول الرجعة .
والإشارة من قوله { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير معرِّج على الفترة ، ولا مستديم لعُقْدةِ الإصرار ، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رُخَصِ العلم لضعفٍ وَجَدَه في الحال فربما تجري معه مُساهلةٌ إذا لم يفسخ عَقْدَ الإرادة .
الموقوذة : التي ضُربت حتى ماتت .
المترديّة : التي سقطت من مكان عالٍ ، أو في بئر ، وماتت .
النطيحة : التي نطحها حيوانٌ آخر فقتلها .
مخمصمة : جوع . متجانِف : منحرف ، مائل .
يبين لنا هنا عشرة أنواع أكلُها محرَّم : لحم الميتة : وهي الحيوان الذي مات من غير ذبح شرعي . ولا يموت الحيوان إلا من مرض ، وهذا المرض يجعل لحمه مضرّاً ، والله تعالى لا يحب لنا الضرر . وكان العرب يأكلون لحم الميتة ويقولون : لِمَ تأكلون ما قتلتُم ولا تأكلون ما قتل الله ! ؟ .
ما أُهل لغير الله : ويعني ما ذُكر اسمُ غير الله عند ذبحه . كلّ حيوان مات خنقا .
الموقوذة : وهي التي ضُربت حتى ماتت . وما سقط من مكان عال فمات . وما نطحه آخر فمات . وكل حيوان افترسه السبع فمات . إلا ما أدركتموه قبل أن يموت ، فذبحتموه ، فهو حلال لكم بالذبح . وكل حيوان ذبح للنُصُب والأصنام .
ويحرم عليكم أن تستقسِموا بالأزلام ، وهي أعواد ثلاثة كان الجاهليّون يطلبون بواسطتها معرفة المغيبات . كان يُكتَب على أحدها «أمرني ربي » وعلى الثاني «نهاني ربّي » ويُترك الثالث دون كتابة . فكان من أراد سفَراً ، أو زواجاً أو غير ذلك يأتي سادنَ الكعبة ويقول له : استقسِم لي ، أي اعرِف لي ما قسم الله لي . فيُخرج السادن هذه الأعواد ويحرّكها في كيس أو جراب ثم يسحب واحداً . فإذا خَرج الذي عليه «أمرني ربي » أقدم الرجل على ما نوى ، وإذا خرج الذي عليه «نهاني ربي » امتنع عن العمل . وإن خرج الثالث واسمه الغُفْل ، أعاد السحبَ من جديد .
وهذا وما شابه من الخرافات والأوهام لا يركن إليها إلا ضعيف العقل والإيمان . وقد حرّمها الإسلام «ذلكم فِسْق » ، فهي خروج عن طاعة الله ، فامتنِعوا عنه .
{ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ }
انقطع رجاؤهم في القضاء عليكم ، فلا تخافوا أن ينقلبوا عليكم واتّقوا مخالفة أوامري .
{ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . }
نزلت هذه الآية يوم الجمعة ، بعرفة ، في حجة الوداع ، «وأتممتُ عليكم نعمتي » بإعزازكم وتثبيت أقدامكم ، «واخترت لكم الإسلام دينا » .
روى الطبري في تفسيره أن النبي عليه السلام لم يعشْ بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة ، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، فكانت آخر ما نزل من القرآن .
ونعود الآن إلى عطف على آية التحريم ، لنجد ترخيصاً فيه منطق وتيسير . إنه يقول : لقد عددتُ المحرّمات ، لكن من ألجأته الضرورة إلى تناول شيء منها ففعَل ، لدفع الهلاك عن نفسه ، غير متعدٍّ ذلك الحد ، ولا منحرف عن أوامر الله فلا إثم عليه أن يأكل . إن الله يغفر له ، فالضرورات تبيح المحذورات .