لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب ؛ وتَنَغُّصِ الحال ، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه ، فلا يكون له بما آثر استمتاع . وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه ، قال تعالى في صفة الأعداء :{ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ }[ الحج : 11 ] .

ويقال لمَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة ، كما قيل :

لله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا *** مثل الملوك ، وراحوا كالمساكين

وأنشدوا :

لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي *** عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها

ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها . وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال :

وكانت - على الأيام - نفسي عزيزة *** فلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ

ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس ، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه ، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول : أهذا الذي قيل لك :{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى }[ طه : 118 ] .

فَلَمْ تعرِف قدره . " فَذُقْ جزايا خِلافِك " فكان يسكن عن الجزع . ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل :

وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ *** وزيدت على مكروهها فاستقرتِ

قوله جلّ ذكره : { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَاداهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةَ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .

كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه ، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه ، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة ، تتمةً للبلاء والفتنة ، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر ، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ .

{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ } : فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة ؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة ، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ ، وفي معناه أنشدوا :

واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ *** إذ قال لي مغضبا : من أنت يا رجل ؟

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

فدلاهما بغرور : خدعهما .

سوءاتهما : عوراتهما .

يخصفان : يلزقان ورقة فوق ورقة .

فما زال يخدعهما بالترغيب في الأكل حتى أطاعاه ، فلمّا ذاقا طعمها انكشفت لهما عوراتُهما ، فخجِلا وجعلا يجمعان بعض أوراق الشجر من الجنة ليستُروا بها عوارتهما .

فعاتبه الله تعالى على عصيانه أمره ، وإطاعتِه للشيطان فقال :

{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ } .

وناداهما ربهما منّبهاً لهما على خطئهما ، ومعاتباً لهما قائلاً : ما نَهَيتُكما عن أن تقربا هذه الشجرة وقلتُ لكما إن الشيطان لا يريد لكما الخير فإن أطعتُماه أخرجكما من الجنة إلى حيث الشقاء والتعب !