لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{الٓمٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

السورة التي يذكر فيها الأعراف

بسم الله الرحمان الرحيم

الباء مكسورة في نفسها وعملها الخفض لأنها من الحروف الجارة للأسماء ، وهي صغيرة القامة في الخط ، ونقطها التي تتميز عن غيرها واحد وهو نهاية القلة ، ثم موضع هذه النقطة أسفل الحرف ، فهي تشير إلى التواضع والخضوع لكل وجه .

والسين " من بسم الله " حرف ساكن فالإشارة من الباء ألا تذر- في الخضوع والتذلل ، والجهد والتوسل- ميسورا ، ثم تسكن منتظرا للتقدير ، فإن من القبول بفضله .

فذلك المأمول ، وإن رد بحكم فله الحكيم ، فتوافق تقديره بالموافقة في الرضا به ، إذا الميم تشبر إلى منته إن شاء ، ثم إلى موافقتك لتقديره بالرضا به إن لم يمن .

ويقال الباء تشير إلى بيان قلوب أهل الحقائق بلطائف المكاشفات بما يختصهم الحق- سبحانه- بذلك من دون الخلق ، فهم على بيان مما يخفى على الخلق ، فالغيب لهم كشف ، والخبر لهم عيان ، وما للناس علم فلهم وجود .

والسين تشير إلى سرور قلوبهم عند تقريبات البسط بما ( . . . ) فيه من وجوه المراعاة !وصنوف لطائف المناجاة ، فهم في جنات النعيم ، وعيش بسط وتكريم ، ودوام روح مقيم .

والميم تشير إلى محبة الحق- سبحانه- لهم بدءا فإنها هي الموجبة لمحابهم ، إذ عنها صدر كل حب فبمحبته لهم أحبوه ، وبقصده إليهم طلبوه ، وبإرادته لهم أرادوه .

ويقال نزهة أسرار الموحدين في الإناخة بعقوة بسم الله ، فمن حل تلك الساحة رتع في حدائق القدس ، واستروح إلى نسيم الأنس .

ويقال بسم الله موقف الفقراء بقلوبهم ، فللأغنياء موقفهم عرفات ، وللفقراء موقفهم المكاشفات والمشاهدات .

ويقال قالة " بسم الله " ربيع الأحباب ، أزهارها لطائف الوصلة ، ونورها زوائد القربة .

هذه الحروف من المتشابه في القرآن على طريقة قوم من السَلَف ، والحق - سبحانه - مستأثر بعلمها دون خلقه . وعلى طريقة قوم فلها معانٍ تُعْرَف ، وفيها إشارات إلى أشياء توصَف : فالألِف تشير إلى أُلفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة ، فهي - في التحقيق - في ذلك المعنى كالمتحدة ؛ فمنه تقع الألفة بين المتشاكين ، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون .

ويقال أَلِفَ القلبُ حديثَه فلم يحتشم من بَذْل روحه .

ويقال الألف تجرُّد مَنْ قَصَدَه عن كل غَيْرٍ فلم يتصل بشيء ، وحين استغنى عن كل شيء اتصل به كل شيء على جهة الاحتياج إليه .

ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف ؛ فمرةً أصبحت مفتوحة ، ومرةً مسكونة ، ومرة مرفوعة ، وأمّا الألف التي هي بعيدة عن الاتصال بالعلاقات فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهي على سكونها الأصلي .

وأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين في القصد ، وصدق أحوال العارفين في الوجد ، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب ، إذ العطش نعت كلِّ قاصد ، كما أن الدهشة وصف كل واحد .

ويقال الصاد تبدي محبةً للصدورِ وهو بلاء الأحباب .

ويقال الصاد تطالبك بالصدق في الود ، وأمارة الصدق في الود بلوغ النهاية والكمال ، حتى لا يزيد بالبر ، ولا ينقص بالمنع .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓمٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأعراف

عدد آياتها ست ومائتان –وهي مكية . وقد روي أنها نزلت دفعة واحدة مثل سورة الأنعام ، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان ، وهو أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها . وسورة الأعراف بمثابة الشرح والبيان لما أوجز في سورة الأنعام ، ولا سيما عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم . وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق : { هو الذي خلقكم من طين } وبيان القرون : { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم . وجاءت سورة الأعراف مفصلة لذلك ، فبسطت قصة آدم ، وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكها .

الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي ، وهي إحدى السور التي بدئت ببعض حروف الهجاء " المص " ولم يتقدم عليها من هذا النوع سوى ثلاث سور هي " ن . ق . ص . " . ويبلغ عدد السور التي بدئت بحروف التهجي تسعا وعشرين سورة . والأعراف أول سورة طويلة نزلت من القرآن الكريم ، وأطول سورة في المكي ، وأول سورة عرضت لتفصيل قصص الأنبياء مع أممهم .

وتقصد سورة الأعراف ما تقصده كل السور المكية ، وهو تقرير أصول الدعوة الدينية : توحيد الله في العبادة والتشريع ، وتقرير البعث والجزاء ، وتقرير الوحي والرسالة بوجه عام ، وتأكيد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بوجه خاص . . وتلك هي أصول الدعوة الدينية التي كانت لأجلها جميع الرسالات الإلهية .

وقد أجملت السورة إلى هذه الأصول ، وإلى كل ما تضمنه القرآن الكريم في آية واحدة جاءت في أولها ، ووجه فيها الخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ، وهي قوله تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء } .

طلبت اتباعهم ما نزل إليهم ممن تولى تربيتهم خلقا وتنمية ، وإرشادا وهداية .

هذا مجمل الدعوة . وقد مهدت السورة لهذا الإجمال بالإرشاد إلى عظمة هذا الكتاب الذي احتواها ، وإلى الغاية التي لأجلها أنزل ، وإلى ما يجب على الرسول أن يتذرع به ليقوم بالمهمة التي ألقيت عليه كما أراد الله .

{ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين } .

وقد كان المشركون يرمونه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر مجنون ، وأن له تابعا من الجن يحدثه بما يسميه القرآن ، ويزعم أنه من عند الله ، فأنزل الله كثيرا من الآيات يقرر بها أن القرآن وحي من عنده ، ولا يمكن أن يكون من صنع الشياطين : { وما تنزلت به الشياطين ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، إنهم عن السمع لمعزولون } ، فهو تنزيل من الله الجامع لصفات الجلال والجمال من الربوبية والرحمة ، والعزة والعلم والحكمة ، { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } إلى عدد من الآيات . والقصد منها تقوية قلبه صلى الله عليه وسلم بأن الذي أنزله إليه هو ربه ، فعليه ألا يكترث بما يقولون ، ولا بإعراضهم عنه .

ومرمى ذلك أن الداعي إلى الله ، والقائم على نشر دينه وأحكامه يجب أن يكون قوي القلب في تحمل مهمته ، مطمئن البال على حسن عاقبته ، لا يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار . كما يجب على أتباعه أن يوفروا له هدوء النفس ، كي ينشط في الدعوة ، ويسير في القيادة .

وقد سلكت سورة الأعراف –بعد تحديد الدعوة على هذا الوجه- في تركيزها وحمل الناس عليها ، سبيل التذكير بالنعم ، والتخويف بالعذاب . وهما أسلوبان يكثر استخدام القرآن لهما في الدعوة ، وقلما ينفرد فيه أحدهما عن الآخر . وذلك تمشيا مع طبيعة الإنسان التي قضت أن تكتنفه عاطفة الرغبة فيما يحب ، والخوف مما يكره .

وسورة الأعراف أطول من سورة الأنعام ، ومكملة لها . ويأتي أولها صالحا لمتابعة آخر آية من سورة الأنعام ، تفصيلا لقوله تعالى : { وهو جعلكم خلائف الأرض } في آخر سورة الأنعام . لهذا صدر السورة بخلق آدم الذي جعله خليفة في الأرض ، ثم قال في قصة عاد { جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } وفي قصة ثمود { جعلكم خلفاء من بعد عاد } الخ . . .

ويمكن اعتبار أوجه ارتباط أول هذه السورة بآخر سورة الأنعام أنه تقدم قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } وقوله : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه } . فافتتح سورة الأعراف بالأمر باتباع الكتاب . { المص . كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ، ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } الخ . . . وسميت سورة الأعراف بقوله تعالى : { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم . . . الآية } . وسيأتي شرحها إن شاء الله .

وقد اشتملت هذه السورة على بدء الخليفة الإنسانية ، فذكرت قصة خلق آدم وحواء وخروجهما من الجنة ، وبيان شيء من الوسوسة المستمرة للإنسان في اللباس والطعام . ثم تعرضت كغيرها من سور القرآن ، إلى النظر في السماوات والأرض وما فيهما من نظام بديع .

كما تعرضت بعد ذلك لقصص النبيين : نوح وهود مع قومه عاد ، ثم لقصة صالح مع قومه ثمود الذين كانوا يتسمون بالقوة ، ولقصة لوط مع قومه ، وذكر ما كانوا يأتونه من منكرات ، ولقصة شعيب مع أهل مدين . وقد ساق الله تعالى بعد ذلك قصة موسى وما كان من أمر فرعون .

وختمت السورة بتصوير من يعطى الهداية ثم ينسلخ منها بتضليل الشيطان ، وما يكون منه ، ثم ببيان الدعوة إلى الحق التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

بسم الله الرحمان الرحيم

المص : هذه حروف تكتب بصورة كلمة واحدة ، ولكن نقرؤها بأسماء حروفها ، فنقول : ألف . لام . ميم . صاد . هكذا .

وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهومٌ غير مسمّاها الذي تدل عليه ، وهي تنبيهُ السامع إلى ما سيُلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام ، حتى لا يفوتَه منه شيء . فكأنه أداةُ استفتاحٍ بمنزلة ألا ، وهاء التنبيه .

والسوَر التي بدئت بالأحرف وبذكر الكتاب ، هي التي نزلت بمكة لدعوة المشركين إلى الإسلام ، وإثبات النبوة والوحي . أما ما نزل منها بالمدينة البقرة وآل عمران ، فالدعوة فيه موجَّهة إلى أهل الكتاب . وهكذا الحال في سورة مريم والعنكبوت والروم ، و( ص ) ، ( ن ) فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوّة والكتاب كالفتنة في الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة ، وكالإنباء بقصص فارسَ والروم ونصرِ الله للمؤمنين على المشركين وكان هذا من أظهر المعجزات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم .