هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين ؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .
والظلم على وجوه ؛ ظلم على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة ، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه ، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين .
ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلوم من جهته ، والحقُّ- سبحانه- ينتصف له منه غداً ، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى . . . } .
وهذا للعوام من المؤمنين ، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف ، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك ، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا :
وما رضوا بالعفو عن ذي زلة *** حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة ، ولا منه مطالبة ، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً .
{ 42 - 43 } ثم قال تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ }
هذا وعيد شديد للظالمين ، وتسلية للمظلومين ، يقول تعالى : { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } حيث أمهلهم وأدرَّ عليهم الأرزاق ، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين ، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثما ، حتى إذا أخذه لم يفلته { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } والظلم -هاهنا- يشمل الظلم فيما بين العبد وربه وظلمه لعباد الله . { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } أي : لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال وما أزعجها من القلاقل .
قوله تعالى : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ( 42 ) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ( 43 ) } ذلك خطاب من الله لرسوله ( ص ) في الظاهر ، وهو في الحقيقة خطاب للمسلمين في كل زمان . خطاب فيه تهديد رعيب للظالمين المجرمين ، وفيه وعيد مجلجل من الله يتوعد به الجاحدين المجرمين الذين عتوا عن أمر الله وتنكبوا عن منهجه العظيم وجنحوا للشرك والمعاصي وفعل المنكرات والمفاسد وإضلال العباد .
أولئك يتوعدهم الله الوعيد المخوف المرجف ، الوعيد الذي يثير في القلوب الرعب والوجل ، وينشر في الأذهان الذهول والهول . وذلك من خلال هذه الكلمات الربانية المعدودة المزلزلة . بضع كلمات تحمل من الترويع والنذر ما يُرجف المشاعر والأبدان . وذلك في قوله : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) أي تظنن أن الله ساه عما يعمله الجاحدون المشركون من المعاصي والآثام ، بل إنه عالم بهم وبأعمالهم التي يحصيها عليهم ليجزيهم الجزاء الذي يستحقونه في يوم الجزاء .
قوله : ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) من الشخوص ، وهو الارتفاع . وشخص البصر إذا ارتفع . وشخص بصره فهو شاخص ؛ إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف{[2414]} .
والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين الظالمين ليس الله بغافل عنهم ولكن الله يؤخر لهم العذاب الأليم الواصب إلى اليوم القارع القاصم . اليوم الذي تغشاهم فيه غاشية القيامة بأهوالها العظام ودواهيها الرعيبة الجسام . وحينئذ تشخص أبصار هؤلاء الخاسرين الهلكى وهي مفتوحة لا تطرف لفرط ما أصابهم من الخوف الفظيع الداهم ولشدة ما ينتابهم حينئذ من الدهش والانهيار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.