قوله جلّ ذكره : { أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقْرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } .
الدين الخالص ما تكون جملته لله ؛ فما للعبد فيه نصيب فهو من الإخلاص بعيد ، اللهم أن يكون بأمره ؛ إذا أَمَرَ العبدَ أن يحتسب الأجرَ على طاعته فإطاعته لا تخرجه عن الإخلاص باحتسابه ما أمره به ، ولولا هذا لَمَا صحَّ أَنْ يكونَ في العَالَم مُخْلِصٌ .
{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ . . . } أي الذين عبدوا الأصنام قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } ، ولم يقولوا هذا من قِبَلِ الله ولا بأمره ولا بإذنه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم ، فَرَدَّ اللَّهُ عليهم . وفي هذا إشارة إلى أن ما يفعله العبد من القُرَبِ بنشاطِ نَفْسِه من غير أن يقتضيه حُكْمُ الوقت ، وما يعقد بينه وبين الله مِنْ عقودٍ ثم لا يَفِي بها . . فكل ذلك اتباعُ هوًى ، قال تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } [ الحديد : 27 ] .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ } .
لا تَهديهم اليومَ لدينه ، ولا في الآخرة إلى ثوابه . والإشارة فيه إلى تهديد مَنْ يتعرَّض لغير مقامه ، ويدَّعي شيئاً ليس بصادقٍ فيه ، فاللَّهُ لا يهديه قط إلا ما فيه سَدادُه ورُشْدُه . وعقوبتُه أَنْ يَحْرِمَه ذلك الشيءَ الذي تصدَّى له بدعواه قبل تَحققِه بوجوده وذَوْقِه .
{ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } هذا تقرير للأمر بالإخلاص ، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله ، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه ، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب ، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه ، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به ، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه ، وللإنابة إليه في عبوديته ، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده .
وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها ، دون الشرك به في شيء من العبادة . فإن اللّه بريء منه ، وليس للّه فيه شيء ، فهو أغنى الشركاء عن الشرك ، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة ، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء ، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص ، نهى عن الشرك به ، وأخبر بذم من أشرك به فقال : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي : يتولونهم بعبادتهم ودعائهم ، معتذرين عن أنفسهم وقائلين : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي : لترفع حوائجنا للّه ، وتشفع لنا عنده ، وإلا ، فنحن نعلم أنها ، لا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تملك من الأمر شيئا .
أي : فهؤلاء ، قد تركوا ما أمر اللّه به من الإخلاص ، وتجرأوا على أعظم المحرمات ، وهو الشرك ، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء ، الملك العظيم ، بالملوك ، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم ، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء ، وشفعاء ، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ، ويستعطفونهم عليهم ، ويمهدون لهم الأمر في ذلك ، أن اللّه تعالى كذلك .
وهذا القياس من أفسد الأقيسة ، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق ، مع ثبوت الفرق العظيم ، عقلا ونقلا وفطرة ، فإن الملوك ، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم ، لأنهم لا يعلمون أحوالهم . فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم ، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة ، فيحتاج من يعطفهم عليه ويسترحمه لهم ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء ، ويخافون منهم ، فيقضون حوائج من توسطوا لهم ، مراعاة لهم ، ومداراة لخواطرهم ، وهم أيضا فقراء ، قد يمنعون لما يخشون من الفقر .
وأما الرب تعالى ، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها ، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده ، وهو تعالى أرحم الراحمين ، وأجود الأجودين ، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده ، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم ، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته ، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم ، وهو الغني ، الذي له الغنى التام المطلق ، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه ، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى ، لم ينقصوا من غناه شيئا ، ولم ينقصوا مما عنده ، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط . وجميع الشفعاء يخافونه ، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه ، وله الشفاعة كلها .
فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به ، وسفههم العظيم ، وشدة جراءتهم عليه . ويعلم أيضا الحكمة في كون الشرك لا يغفره اللّه تعالى ، لأنه يتضمن القدح في اللّه تعالى ، ولهذا قال حاكما بين الفريقين ، المخلصين والمشركين ، وفي ضمنه التهديد للمشركين- : { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم ، ومن يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة ، ومأواه النار . { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي } أي : لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم { مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } أي : وصفه الكذب أو الكفر ، بحيث تأتيه المواعظ والآيات ، ولا يزول عنه ما اتصف به ، ويريه اللّه الآيات ، فيجحدها ويكفر بها ويكذب ، فهذا أنَّى له الهدى وقد سد على نفسه الباب ، وعوقب بأن طبع اللّه على قلبه ، فهو لا يؤمن ؟ "
قوله تعالى : { ألا لله الدين الخالص } قال قتادة : شهادة أن لا إله الله . وقيل : لا يستحق الدين الخالص إلا الله ، وقيل : الدين الخالص من الشرك هو لله . { والذين اتخذوا من دونه } أي : من دون الله { أولياء } يعني : الأصنام { ما نعبدهم } أي : قالوا : ما نعبدهم { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وكذلك قرأ ابن مسعود ، وابن عباس . قال قتادة : وذلك أنهم إذا قيل لهم : من ربكم ، ومن خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله ، فيقال لهم : فما معنى عبادتكم الأوثان ؟ قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى ، أي : قربى ، وهو اسم أقيم في مقام المصدر ، كأنه قال : إلا ليقربونا إلى الله تقريباً ، ويشفعوا لنا عند الله . { إن الله يحكم بينهم } يوم القيامة . { فيما هم فيه يختلفون } من أمر الدين . { إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } لا يرشد لدينه من كذب ، فقال : إن الآلهة تشفع ، وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذباً وكفرا .
قوله : { أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } والدين بمعنى العبادة والطاعة . والمعنى : إن العبادة والطاعة والامتثال والإذعان إنما ذلك كله خالص لله وحده . فما ينبغي أن يكون لأحد غير الله شيء من ذلك .
قوله : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } : { وَالَّذِينَ } مبتدأ وخبره محذوف . وتقديره : يقولون : ما نعبدهم .
هؤلاء هم المشركون المبْطلون السادرون في غيهم وضلالهم كانوا إذا قيل لهم : من ربكم وخالقكم ، ومن خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : الله . فإذا قيل لهم : كيف تعبدون هذه الأصنام والله خالقها وخالق كل شيء ؟ قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى ، فيشفعوا لنا عنده في نصرنا ورزقنا وليكونوا لنا أعوانا لنا عند النائبات في هذه الدنيا . أما الآخرة فهم يجحدونها ويكذبون بها .
قوله : { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } الله يقضي بين العباد يوم القيامة فيجازي المحق بإيمانه واهتدائه ، والمُبْطِل بما كان عليه من باطل وفساد .
قوله : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } لا يجعل الله الهداية والرشاد لمن كان يفتري على الله الكذب ويتقول عليه الباطل ويصطنع له من الصفات ما الله منزه عنه . وذلكم الكاذب الكَفّار ، شديد الجحود والافتراء الذي لا يهديه الله للحق .