مَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله : { التَّائِبُونَ العَابِدُونَ . . . } ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردِّ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَ الشِّراء ، فأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردِّ ؛ قال تعالى :{ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ }[ الدخان : 32 ] .
ويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردَّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه ، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه ؛ قال تعالى : { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ } وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه .
قوله تعالى : { التَّائِبُونَ } أي الراجعون إلى الله ، فَمِنْ راجعٍ يرجع عن زلَّتِه إلى طاعته ، ومِنْ راجع ، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومِنْ راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه .
ويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله ؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله ، وصنوفَ لطفه ونواله ، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربِّه لربِّه بِمَحْوِ كلِّ أَرَبٍ ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب .
وتائب يرجع لحظِّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه ، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه ، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجو مِنْ أوضاره ، ويخلص من شؤم أوزاره ، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال : إنَّ اللهَ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر ، " وشتَّان ما هما " ! وأنشدوا :
أيا قادماً من سَفْرَة الهَجْر مَرْحَبَا *** أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا
وأمَّا قوله { العَابِدُونَ } : فهم الخاضعون بكلِّ وجه ، الذين لا تَسْتَرِقُّهم كرائمُ الدنيا ، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى . ولا يكون العبدُ عبداً لله - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ . وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة ؛ قال تعالى :
{ إن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنَ عَبْدًا }[ مريم : 93 ] . ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصٌّ .
قوله جلّ ذكره : { الحَامِدُونَ } .
هم الشاكرون له على وجود أفضاله ، المُثْنُونَ عليه عند شهود جلاله وجماله .
ويقال : الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته ، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته .
ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه .
ويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّة له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةَ له .
ويقال الشاكرون له إنْ أدناهم ، الحامدون له إن أقصاهم .
قوله جلّ ذكره : { السَّائِحُونَ } .
الصائمون ولكن عن شهود غير الله ، الممتنعون عن خدمة غير الله ، المكتفون من الله بالله .
ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار ، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها ومناكبها ، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها ، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها ، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال ، ويعيشون بنسيم الأنْسِ بالتحقق بشهود الحق .
قوله جلّ ذكره : { الرَّاكِعُونَ } .
الخاضعون لله في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلِّي ، وفي الخبر . " إن الله ما تجلَّى لشيءٍ إلا خَشَع له " .
وكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً ، ففي الظاهر بإحسان الحقِّ إليه يُحْسنِ تولِّيه ، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقِّ بأنوار تجلِّيه .
قوله جلّ ذكره : { السَّاجِدُونَ } .
في الظاهر بنفوسهم على بِساط العبودية ، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية . والسجود على أقسام : سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار ، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال . وسجودٌ عند الشهود إذا تجلَّى الحقُّ لقلبه سَجِدَ بقلبه ، فلم ينظر بعده إلى غيره ، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته ، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته .
قوله جلّ ذكره : { الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ } .
هم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى الله ، ويُحَذرونهم عن غير الله . يتواصَوْن بالإقبال على الله وتَرْكِ الاشتغال بغير الله . يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنَن الاستقامة ، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة ، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة .
والحافظون لحدود الله ، هم الواقفون حيث وقفهم الله ، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم ، ويحفظون مع الله أنْفَاسَهُمْ .
{ 112 } { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }
كأنه قيل : من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ونيل الكرامات ؟ فقال : هم { التَّائِبُونَ ْ } أي : الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات .
{ الْعَابِدُونَ ْ } أي : المتصفون بالعبودية للّه ، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت ، فبذلك يكون العبد من العابدين .
{ الْحَامِدُونَ ْ } للّه في السراء والضراء ، واليسر والعسر ، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة ، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار .
{ السَّائِحُونَ ْ } فسرت السياحة بالصيام ، أو السياحة في طلب العلم ، وفسرت بسياحة القلب في معرفة اللّه ومحبته ، والإنابة إليه على الدوام ، والصحيح أن المراد بالسياحة : السفر في القربات ، كالحج ، والعمرة ، والجهاد ، وطلب العلم ، وصلة الأقارب ، ونحو ذلك .
{ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ْ } أي : المكثرون من الصلاة ، المشتملة على الركوع والسجود .
{ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ْ } ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات .
{ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ْ } وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه .
{ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ْ } بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام ، وما لا يدخل ، الملازمون لها فعلا وتركا .
{ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ْ } لم يذكر ما يبشرهم به ، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة ، فالبشارة متناولة لكل مؤمن .
وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين ، وإيمانهم ، قوة ، وضعفا ، وعملا بمقتضاه .
ثم وصفهم فقال : { التائبون } ، قال الفراء : استؤنفت بالرفع لتمام الآية وانقطاع الكلام . وقال الزجاج : التائبون رفع للابتداء وخبره مضمر . المعنى : التائبون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا . أي : من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد ، لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد ، فمن كانت هذه صفته فله الجنة أيضا ، وهذا أحسن ، فكأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين ، كما قال : { وكلا وعد الله الحسنى } [ النساء-95 ] ، فمن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفة . قوله تعالى : { التائبون } أي : الذين تابوا من الشرك وبرؤوا من النفاق ، { العابدون } المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل { الحامدون } ، الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء . وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء " . { السائحون } ، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما : هم الصائمون . وقال سفيان بن عيينة : إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح . وقال عطاء : السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله . روي عن " عثمان بن مظعون ، رضي الله عنه ، أنه قال : يا رسول الله ائذن لي في السياحة ، فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " . { الراكعون الساجدون } ، يعنى : المصلين ، { الآمرون بالمعروف } ، بالإيمان ، { والناهون عن المنكر } عن الشرك . وقيل : المعروف السنة والمنكر البدعة . { والحافظون لحدود الله } ، القائمون بأوامر الله . وقال الحسن : أهل الوفاء ببيعة الله . { وبشر المؤمنين * }