الذي نَفَى عنهم من القتل ، هو إماتة الروح وإثبات الموت ، وهو من خصائص قدرته - سبحانه ، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم ، ويحصل ذهاب الروح عقيبه .
وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً ، فقال : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبتدئ هو الله عزَّ وجل . وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم .
قوله جلّ ذكره : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } .
أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا ، فكان منه ( صلوات الله عليه ) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب ، وكَسْبَهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته ، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً ، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو ، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه .
فقوله : { إِذْ رَمَيْتَ } فَرْقٌ ، وقوله : { وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى } جمع . والفرق صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمعٍ وكلُّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة .
وإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم ، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم ، وذلك منه مكرٌ بهم .
قال الله تعالى :{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }[ الكهف : 104 ] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير ، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف ، وقهر الحكمْ . وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و ( ما ) لهم إحساس بذلك ، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير ، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع .
قوله جلّ ذكره : { وَلِيُبْلِىَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا } .
البلاء الاختبار ، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم ، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم ، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم .
" البلاء الحسن " : توفيق الشكر في المِنْحة ، وتحقيق الصبر في المحبة ، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه . وهذه حقيقة الحَسَن : وهو ما للفاعل أن يفعله .
ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و ( . . . ) البلاء لأنه فيه .
ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء .
ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة ، ولا شكوى إن كان محنة .
ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً ، ولا بطر إن كان يسراً .
ويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه ؛ فأصفاهم ولاءً ، قال عليه السلام : " أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل " .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم ؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله " سميعٌ " لأنينكم ؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا ، وَقْتَهم ، ويحمل عنهم ولاءهم ، وأنشدوا :
إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً *** تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا
قُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس *** كيف أنت وكيف حالك ؟
وأمَّا الأكابر فلا يُؤْذَنُ لهم في التَّنَفُّس ، وتكون المطالبةُ متوجِّهةً عليهم بالصبر ، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى ، فيقول : لو ترشح منك ما كُلِّفْتَ بِشُرْبِه تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ ، فإِن لم يكن منك بيانٌ فإِنِّي لقالتك ، عليمٌ بحالتك .
ويقال في قوله " عليم " تسلية لأرباب البلاء ؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه سَهُل عليه ما يقاسيه فيه ، قال - سبحانه - لنبيَّه صلى الله عليه وسلم :
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }[ الحجر : 97 ] .
17 – { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم . . . . }
أي : يا أيها الذين آمنوا ، لا توالوا الكفار ظهوركم أبدا ؛ فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر ثم بنصر الله تعالى ، انظروا إلى ما أوتيتم من نصر عليهم على قلة عددكم وعدتكم وكثرتهم واستعدادهم ، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من الله تعالى لكم وربطه على قلوبكم وتثبيت أقدامكم ، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم ولكن قتلهم بأيديكم ، بما كان من تثبيت قلوبكم بمخالطة الملائكة وملابستها لأرواحكم ، وبإلقائه الرعب في قلوبهم وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخذهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين } . ( التوبة : 14 ) .
ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو قائدهم الأعظم فقال :
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } . أي : وما رميت أيها الرسول أحدا من المشركين في الوقت الذي رميت فيه القبضة من التراب بإلقائها في الهواء فأصبت وجوههم ، ما فعلته لا يكون له من التأثير مثل ما حدث ، ولكن الله رمى وجوههم كلهم بذلك التراب الذي ألقيته في الهواء على قلته أو بعد تكثيره بمحض قدرته .
فقد روى : " أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب وقال : شاهت الوجوه ثلاثا ، فأعقبت رميته هزيمتهم " xxi .
وروى على بن أبي طلحة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في استغاثته يوم بدر : " يا رب ، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " ، قال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، ففعل فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تراب تلك القبضة فولوا مدبرينxxii .
{ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } . أي : فعل الله ما ذكر لإقامته حجته وتأييد رسوله ، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا بالنصر والغنيمة وحسن السمعة .
{ إن الله سميع عليم } . أي : إنه تعالى { سميع } لما كان من استغاثة الرسول والمؤمنين ربهم ودعائهم إياه وحده ولكل نداء وكلام ، { عليم } بنياتهم الباعثة عليه والعواقب التي تترتب عليه .
قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ، قال مجاهد : سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول : أنا قتلت فلاناً ، ويقول الآخر مثله ، فنزلت الآية . ومعناه : فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ، ولكن الله قتلهم بنصرته إياكم ، وتقويته لكم . وقيل : لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة .
قوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، قال أهل التفسير والمغازي :
ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً ، ووردت عليهم روايا قريش ، وفيهم أسلم ، غلام أسود لبني الحجاج ، وأبو يسار ، غلام لبني العاص بن سعيد ، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما : أين قريش ؟ قالا : هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، والكثيب : العقنقل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما : كم القوم ؟ قالا : كثير ، قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ، قال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوماً عشرة ويوماً تسعة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف ، ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه مكة قد ألقيت إليكم أفلاذ كبدها ، فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل ، وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي ، قال : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان تناول كفا من حصىً عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه ، وفمه ، ومنخريه ، منها شيء . فانهزموا ، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم . وقال قتادة ، وابن زيد : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات ، فرمى بحصاة في ميمنة القوم ، وبحصاة في ميسرة القوم ، وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه فانهزموا ، فذلك قوله تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفاً من الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء ، وقيل : معناه وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ ، وقيل : وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا .
قوله تعالى : { وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً } ، أي : ولينعم على المؤمنين منه نعمةً عظيمةً بالنصر والغنيمة .
قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم 17 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } أي لم تهزموا قريشا هذه الهزيمة المشهودة ولم يقتلوا صناديدهم بحولكم وقوتكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، بل الله أظفركم عليهم ومكنكم منهم ، { وما النصر إلا من عند الله } فهو سبحانه يكتب النصر لمن يشاء من عباده . وقيل : إن الله قتلهم بالملائكة الذين أمد بهم المسلمين . أما قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي } فقد اختلف العلماء في المراد بالرمي على عدة أقوال :
منها : أن هذا كان يوم أحد حين رمي أبي بن خلف بالحربة في عنقه فكر أبي منهزما ، فقال له المشركون : والله ما بك من بأس . فقال : والله لو بصق علي –يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- لقتلني ، أليس قد قال : بل أنا أقتله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوعد أبي بن خلف في مكة بالقتل . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك ) فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له ( سرف ) . وقد ذكر عن ابن شهاب أنهل ما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه فاستقبله مصعب ابن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم ، وفي ذلك نزل قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } لكن الصواب نزل الآية عقيب بدر وليس في أحد .
ومنها : أن هذا كان يوم بدر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه يوم بدر فقال : ( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلت تعبد في الأرض أبدا ) فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين . وذكر أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بالقبضة من التراب وقال : ( شاهت الوجوه ) ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله . ولهذا قال : وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } أي أن الله هو الذي أوصل ذلك إليهم فأذلهم وأخزاهم به وليس أنتم وما تملكونه من العدة والعتاد .
ومنها : أن ذلك كان في حصب ( حصى ) رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه المشركين يوم حنين ، ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه من ذلك .
ومنها : أن المراد هم السهم الذي رمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خبير فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذا أيضا بعيد والصحيح أن الآية كانت يوم بدر ؛ لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ( خذ قبضة من التراب ) فاخذ من التراب فرمى بها وجوه المشركين . وهو ما بيناه في القول الثاني{[1639]} .
قوله : { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } وليبلي من البلاء ، وهو هنا بمعنى النعمة . لا جرم أن النعمة من أشد ما يبتلي به الإنسان فيعلم أن سيشكر أن يكفر ؛ أي لينعم الله على المؤمنين ورسوله الكريم بالظفر فينصرهم عليهم نصرا ظاهرا عزيزا { إن الله سميع عليم } أي أن الله سميع لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يناشد ربه ويدعوه في تضرع وتذلل أن يعلك عدوه وعدوهم . وهو سبحانه عليم بما فيه صلاحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم ؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل شيء .