الوَجَل شِدَّة الخوف ، ومعناه ها هنا أَن يُخْرِجَهم الوَجَلُ عن أوطان الغفلة ، ويزعجهم عن مساكن الغيبة . فإذا انفصلوا عن أوْدية التفرقة وفاؤوا إلى مَشَاهِدِ الذكر نالوا السكون إلى الله - عز وجل ؛ فيزيدُهم ما يُتْلَى عليهم من آياته تصديقاً على تصديق ، وتحقيقاً على تحقيق . فإذا طالعوا جلال قَدْرِهِ ، وأيقنوا قصورَهم عن إدراكه ، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم ، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم .
ويقال سُنَّة الحقِّ - سبحانه مع أهل العرفان أن يُرَدِّدَهم بين كَشْفِ جلالٍ ولُطْف جمال ، فإذا كاشفهم بجلاله وَجِلَتْ قلوبُهم ، وإذا لاطفهم بجماله سَكَنَتْ قلوبهم ، قال الله تعالى :{ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ }[ الرعد : 28 ] . ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه ، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروْح وصاله . وذكر الفراق يُفْنيهم وذكر الوصال يُصْحيهم ويُحْييهم .
ويقال الطالبون في نَوْحِ رهبتهم ، والواصلون في روْح قربتهم ، والموحِّدون في محو غيبتهم ؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقتٍ مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع ، ولا لهم إحساس فَتَمْلِكُهم لذة ؛ إذ لمَّا اصْطُلِمُوا ببوادهِ ما مَلَكَهُمْ فَهُمْ عنهم مَحْوٌ ، والغالبُ عليهم سواهم .
زادتهم إيمانا : تصديقا ويقينا .
يتوكلون : يثقون بالله لا غيره .
2 { - إنمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .
هذه الآية تحريض على التزام طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة الغنيمة .
إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر الله وذكرت صفاته أمامهم ، خافت قلوبهم وفزعت ، استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه ، وحذرا من عقابه ورغبة في ثوابه ؛ وذلك لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم ، وشدة مراقبتهم لله عز وجل ووقوفهم عند أمره ونهيه .
{ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا } . أي : ومن صفات المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات القرآن أو الأدلة على وجود الله ؛ قوى إيمانهم وتصديقهم وتيقنهم بربهم ، ونشاطهم في أعمالهم وعلى ربهم يتوكلون .
فهم يعتمدون على الله ، ويفوضون أمورهم إليه ويتوجهون إليه بالدعاء مع الأخذ بالأسباب وعدم تركها ، ومراعاة سنن الله في الكون التي لا تتبدل ، ولا تتغير ، ومن تركها ؛ كان جاهلا مؤاخذا .
1 – جمهور العلماء : على أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص ، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، واختاره إمام الحرمين ، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان ، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان وإذا تأملنا الأمر ؛ وجدنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة أولى بالقبول ؛ لأنه من الواضح أن إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أرسخ وأقوى من إيمان آحاد الناس ، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة ؛ كان الإيمان أشد رسوخا في النفس ، وأعمق أثرا في القلب .
جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي :
{ زادتهم إيمانا } : أي : يقينا وطمأنينة نفس ، فأن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج والبراهين موجب لزيادة الاطمئنان وقوة اليقين ، وقيل : إن نفس الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما زيادته باعتبار زيادة المؤمن به ، فإنه كلما نزلت آية صدق بها المؤمن فزاد إيمانه عددا وأما نفس الإيمان فهو بحاله ، وقيل : باعتبار أن الأعمال تجعل من الإيمان فيزيد بزيادتها ، والأصوب أن نفس التصديق يقبل القوة ، وهي التي عبر عنها بالزيادة ، للفرق الواضح بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ، ويقين آحاد الأمة ، وعليه مبني ما قال على رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وكذا بين ما قام عليه دليل واحد ، وما قامت عليه أدلة كثيرةvi .
2 – قال الإمام النووى : أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها ، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها .
2 – قال تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } . ( البقرة : 360 ) .
فهذه الآية دليل على أن مقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق وشبيه بهذه الأدلة في الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان قوله تعالى :
{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } . ( الفتح : 4 ) .
{ ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما }( الأحزاب : 22 ) .
ولما كان الإيمان قسمين : إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء ، والفوز التام ، وإيمانا دون ذلك ذكر الإيمان الكامل فقال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان .
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي : خافت ورهبت ، فأوجبت لهم خشية اللّه تعالى الانكفاف عن المحارم ، فإن خوف اللّه تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب .
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم ، . لأن التدبر من أعمال القلوب ، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه ، أو يتذكرون ما كانوا نسوه ، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير ، واشتياقا إلى كرامة ربهم ، أو وجلا من العقوبات ، وازدجارا عن المعاصي ، وكل هذا مما يزداد به الإيمان .
وَعَلَى رَبِّهِمْ وحده لا شريك له يَتَوَكَّلُونَ أي : يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية ، ويثقون بأن اللّه تعالى سيفعل ذلك .
قوله تعالى : { إنما المؤمنون } ، يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ، إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم ، { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ، خافت وفرقت قلوبهم ، وقيل : إذا خوفوا بالله انقادوا خوفاً من عقابه .
قوله تعالى : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً } تصديقاً ويقيناً . وقال عمير بن حبيب ، وكانت له صحبة : إن للإيمان زيادةً ونقصاناً ، قيل : فما زيادته ؟ قال : إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته ، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع ، وحدوداً وسنناً ، فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان .
قوله تعالى : { وعلى ربهم يتوكلون } ، أي : يفوضون إليه أمورهم ، ويثقون به ، ولا يرجون غيره ، ولا يخافون سواه .
قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ذلك وصف لحقيقة المؤمن ؛ فإنه يبادر بطاعة الله ورسوله ولا ينثني أو يتردد في التزام شرع الله وأحكامه سواء في الغنائم أو غيرها . والمؤمن شديد الوجل ( الخوف ) من الله . فإذا ذكر الله في موعظة من عقابه أو وعيده أو عظيم سلطانه وجبروته وجلت قلوب المؤمنين وانقادت لجلا الله فرقا من غضبه وعذابه .
قوله : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } إذا تلين آيات القرآن الحكيم بمعانيه الكبيرة ، وبجرسه المؤثر النفاذ ، وإيقاعه الرائع الموحي ؛ ازدادت قلوب المؤمنين تصديقا على تصديق وخشية فوق خشية ، وغمرت صدورهم بهجة عاطرة ندية من الانشراح والحبور والإثلاج .
قوله : { وعلى ربهم يتوكلون } وهذه صفة ظاهرة لأهل الإيمان ؛ فهم على الدوام متوكلون على الله مفوضون الأمر الله . وتلك صفة المؤمن إذا اضطلع بما عليه من واجبات وأسباب فوض أمره بعد ذلك إلى ربه ؛ فهم سبحانه عليه الاعتماد والتكلان .