قوله جلّ ذكره : { يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } .
انتظرونا فنلحق بكم لنقتبسَ من نوركم . وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يُعْطَوْن كُتُبهم وهم في النور ، فإذا مَرُّوا . . . انطفأ النور أمام المنافقين وسَبقَ المؤمنون ، فيقول المنافقون للمؤمنين : انتظرونا حتى نقتبسَ من نوركم . فيقول المؤمنون :
{ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَائكُمْ فَاَلْتَمِسُواْ نُوراً } .
أي إلى الدنيا وأَخلِصوا ! - تعريفاً لهم أنهم كانوا منافقِين في الدنيا .
ويقال : ارجعوا إلى حُكْم الأزلِ فاطلبوا هذا من القِسْمة !- وهذا على جهة ضربِ المَثل والاستبعاد .
{ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذابُ } .
{ بِسُورٍ } : وهو جَبَلُ أصحاب الأعراف ، يستر بينهم وبين المنافقين ، فالوجهُ الذي بلي المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذابُ .
انظرونا : انتظرونا أو أمهلونا .
نقتبس : أصل الاقتباس : طلب القبس ، أي : الجذوة من النار ، والمراد نستضيء ونهتدي بنوركم .
13- { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } .
ما أشد هول هذا اليوم ، إنه يوم الجزاء ، فالدنيا عمل ولا حساب ، والآخرة حساب ولا عمل .
انظر يا كل من يتأتى منه النظر ، الجزاء الحسن للمؤمنين ، نورهم يسعى أمامهم وعن يمينهم ، وتبشرهم الملائكة بالجنة ، ويُحبس المنافقون في ظلام دامس : { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ( النور : 40 ) .
عندئذ يمر المؤمنون في موكب التكريم والتعظيم ، والنور المبين ، فيقول المنافقون للمؤمنين : انتظرونا حتى نستضيء بجزء من نوركم ، ونسير فيه إلى الجنة ، فيقول المؤمنون لهم : ارجعوا إلى الدنيا ، فاعملوا العمل الصالح الذي يكسبكم النور يوم القيامة ، وهو تهكم بهم لأنه لا رجعة إلى الدنيا أبدا بعد القيامة ، كما أن اللبن يعود إلى الضرع بعد أن يُحلب منه ، ولله در القائل :
صاح هل ريِْتَ أو سمعت براع *** ردّ في الضرع ما قرى في الحلاب
لقد كان المنافقون يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا ، فرد الله لهم جزاء وفاقا ، وذلك ما عناه سبحانه بقوله : { الله يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون } . ( البقرة : 15 ) .
{ فضرب بينهم سور له باب . . . }
أي : ضُرب بين المؤمنين والمنافقين بحاجز له باب يحجز بين أهل الجنة وأهل النار .
{ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ . . . } .
يفصل الله تعالى بين أهل الجنة وأهل النار بهذا السور الذي يحجز بين الفريقين ، جانب السور الذي يلي المؤمنون فيه الجنة والرحمة والثواب والنعيم ، وظاهر هذه السور وجانبه الذي يلي المنافقين والكفار يكون من جهته العذاب الأليم .
قال ابن كثير : هو سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين ، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه ، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب ، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب ، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وشك وحيرة .
فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به{[981]} وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين ، قالوا للمؤمنين : { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } أي : أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به ، لننجو من العذاب ، ف { قِيلَ } لهم : { ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } أي : إن كان ذلك ممكنا ، والحال أن ذلك غير ممكن ، بل هو من المحالات ، { فَضُرِبَ } بين المؤمنين والمنافقين { بِسُورٍ } أي : حائط منيع ، وحصن حصين ، { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } وهو الذي يلي المؤمنين { وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } وهو الذي يلي المنافقين .
{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 ) }
يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ، وهم على الصراط : انتظرونا نستضئْ من نوركم ، فتقول لهم الملائكة : ارجعوا وراءكم فاطلبوا نورًا ( سخرية منهم ) ، فَفُصِل بينهم بسور له باب ، باطنه مما يلي المؤمنين فيه الرحمة ، وظاهره مما يلي المنافقين من جهته العذاب .
قوله : { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم } وذلك مما يقع يوم القيامة من شديد الأهوال وفظيع المشاهد ، وحينئذ لا ينجو من البلاء والكرب إلا من كتب الله له نجاة . وقد قيل : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة لا يرون فيها شيئا فيعطي المؤمنون نورا يستضيئون به ، ويترك الكافرون والمنافقون من غير نور ، فيتيهون ويخبطون لا يرون شيئا فيلجّون حائرين مذعورين فيقولون للذين آمنوا : { انظرونا نقتبس من نوركم } أي انتظرونا لكي نصيب من نوركم فنستنير به ونستضيء . وقال ابن عباس : بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلا من الله إلى الجنة . فلما رأى المنافقون والمنافقات المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ { انظرونا نقتبس من نوركم } فإنا كنا معكم في الدنيا فقال لهم المؤمنون : { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } أي ارجعوا وراءكم ، من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور .
قوله : { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } والمراد بالسور ، حائط يحول بين شق الجنة وشق النار ، قيل هو الأعراف . ولهذا السور باب لأهل الجنة يدخلون منه ، وباطن السور وهو الشق الذي يلي الجنة { فيه الرحمة } أي الجنة . { وظاهره } يعني ما ظهر لأهل النار منه ، من جهته { العذاب } أي النار .
فالمراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليفصل بين المؤمنين والمنافقين ويكون بينهم حاجزا . فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلام والعذاب ، وقد كانوا في الدنيا في جهالة وكفران وباطل .