لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

إِذا استجار المُشْرِكُ - اليوم - فلا يُردُّ حتى يسمَع كلام الله ، فإِذا استجار المؤمنُ طول عمره من الفراق - متى يُمْنَعُ من سماع كلام الله ؟ ومتى يكون في زمرة مَنْ يقال لهم :{ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[ المؤمنون : 108 ] .

وإذ قال - اليوم- عن أعدائه : { فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ } فإِن لم يؤمن بعد سماع كلامه نُهِيَ عن تعرضه حيث قال : { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } - أترى أنه لا يُؤَمِّنُ أولياءَه - غداً - مِنْ فراقه ، وقد عاشوا اليومَ على إيمانه ووفائه ؟ ! كلا . . إنه يمتحنهم بذلك ، قال تعالى :{ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ }[ الأنبياء : 103 ] .

ثم قال : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } فإذا كان هذا بِرَّه بِمَنْ لا يَعْلَم فكيف بِرُّه بِمَنْ يعلم ؟

ومتى نُضَيِّعُ مَنْ يَنِيخُ بِبَابِنَا *** والمُعْرِضون لهم نعيمٌ وافِرُ ؟

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

المفردات :

استجارك : أي : سأل جوارك ؛ ليكون في حماك وأمنك .

فأجره : أي : فأمنه .

التفسير :

6 – { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ . . . }

المعنى : وإن طلب أحد من المشركين أن يكون في جوارك ، وفي أمانك وحمايتك ، بعد انقضاء مدة الأمان المحددة له فأجره أي : فأمنه وأجبه إلى طلبه .

{ حتى يسمع كلام الله } . أي : لكي يسمع كلام الله ويتدبره ، ويطلع على حقيقة ما يدعو إليه ، من تعاليم مقنعة للعقول السليمة ، { ثم أبلغه مأمنه } . ثم أبلغه مكان أمنه إن لم يسلم ، أي : عليك يا محمد أن تجيره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ، ولا يبقى له عذر في الإصرار على شركه ، فإن آمن صار من أتباعك ، وإن بقي على شركه ، وأراد الرجوع إلى جماعته ؛ فعليك أن تحافظ عليه ؛ حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره ، وهو ديار قومه ، ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك ، ويعامل بما يعاملون به .

{ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } .

أي : ذلك الذي أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين ، وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم ، بسبب أنهم لا يعلمون الإسلام ، ولا حقيقة ما تدعوهم إليه ، فلا بد من تمكينهم من ذلك ، ببذل الأمان لهم ؛ حتى يزول عذرهم ، وتقوم لك الحجة عليهم .

ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآية ما يأتي : -

1 – أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حمايته في نفسه وماله وعرضه ؛ ما دام في دار الإسلام ، وقد حذر الإسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير ، ومن ذلك ؛ ما رواه البخاري والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أمن رجلا على دمه فقتله ؛ فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافرا " 12 .

وروى الشيخان وأحمد : عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل غادر لواء ، يعرف به يوم القيامة " 13 .

2 – يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله ، من كان طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب عن الشبهات ، التي أثارها أعداء الإسلام .

3 – على الإمام أو من يقوم مقامه أن يعطي المستأمن المهلة التي يراها كافية لفهمه حقائق الإسلام ، وأن يبلغه مأمنه بعد انقضاء حاجته ، وأن لا يمكنه من الإقامة في دار الإسلام ، إلا بمقدار قضاء حاجته .

4 – أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه في الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال وأنه لا بد من الحجة والدليل .