وفي سياق قضية التشريع بالتحريم والتحليل ، وفي خط التربية للامة المسلمة في المدينة ، وتخليصها من جوالجاهلية ورواسبها وتقاليدها الشخصية والاجتماعية ، يجيء النص القاطع الأخير في تحريم الخمر والميسر مقرونين إلى تحريم الأنصاب والأزلام . أي إلى الشرك بالله .
( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين . ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ، والله يحب المحسنين ) . .
لقد كانت الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من معالم الحياة الجاهلية ، ومن التقاليد المتغلغلة في المجتمع الجاهلي . وكانت كلها حزمة واحدة ذات ارتباط عميق في مزاولتها ، وفي كونها من سمات ذلك المجتمع وتقاليده . . فلقد كانوا يشربون الخمر في إسراف ، ويجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها ويتكاثرون ؛ ويديرون عليها فخرهم في الشعر ومدحهم كذلك ! وكان يصاحب مجالس الشراب نحر الذبائح واتخاذ الشواء منها للشاربين وللسقاة ولأحلاس هذه المجالس ومن يلوذون بها ويلتفون حولها ! وكانت هذه الذبائح تنحر على الأنصاب وهي أصنام لهم كانوا يذبحون عليها ذبائحهم وينضحونها بدمها [ كما كانت تذبح عليها الذبائح التي تقدم للآلهة أي لكهنتها ! ] . . وفي ذبائح مجالس الخمر وغيرها من المناسبات الاجتماعية التي تشبهها كان يجري الميسر عن طريق الأزلام . وهي قداح كانوا يستقسمون بها الذبيحة ، فيأخذ كل منهم نصيبه منها بحسب قدحه . فالذي قدحه [ المعلى ] يأخذ النصيب الأوفر ، وهكذا حتى يكون من لا نصيب لقدحه . وقد يكون هو صاحب الذبيحة فيخسرها كلها !
وهكذا يبدو تشابك العادات والتقاليد الاجتماعية ؛ ويبدو جريانها كذلك وفق حال الجاهلية وتصوراتها الاعتقادية .
ولم يبدأ المنهج الإسلامي في معالجة هذه التقاليد في أول الأمر ، لأنها إنما تقوم على جذور اعتقادية فاسدة ؛ فعلاجها من فوق السطح قبل علاج جذورها الغاثرة جهد ضائع . حاشا للمنهج الرباني أن يفعله ! إنما بدأ الإسلام من عقدة النفس البشرية الأولى . عقدة العقيدة . بدأ باجتثاث التصور الجاهلي الاعتقادي جملة من جذورة ؛ وإقامة التصور الأسلامي الصحيح . إقامته من أعماق القاعدة المرتكزة إلى الفطرة . . بين للناس فساد تصوراتهم عن الألوهية وهداهم إلى الإله الحق . وحين عرفوا إلهم الحق بدأت نفوسهم تستمع إلى ما يحبة منهم هذا الإله الحق وما يكرهه . وما كانوا قبل ذلك ليسمعوا ! أو يطيعوا أمرا ولا نهيا ؛ وما كانوا ليقلعوا عن مألوفاتهم الجاهلية مهما تكرر لهم النهي وبذلت لهم النصيحة . . إن عقدة الفطرة البشرية هي عقدة العقيدة ؛ وما لم تنعقد هذه العقيدة أولا فلن يثبت فيها شيء من خلق أو تهذيب أو إصلاح اجتماعي . . إن مفتاح الفطرة البشرية ها هنا . وما لم تفتح بمفتاحها فستظل سراديبها مغلقة ودروبها ملتوية ، وكما كشف منها زقاق انبهمت أزقة ؛ وكلما ضاء منها جانب أظلمت جوانب ، وكلما حلت منها عقدة تعقدت عقد ، وكلما فتح منها درب سدت دروب ومسالك . . إلى ما لا نهاية . .
لذلك لم يبدأ المنهج الإسلامي في علاج رذائل الجاهلية وانحرافاتها ، من هذه الرذائل والانحرافات . . إنما بدأ من العقيدة . . بدأ من شهادة أن لاإله إلا الله . . وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله هذه في الزمن حتى بلغت نحو ثلاثة عشر عاما ، لم يكن فيها غاية إلا هذه الغاية ! تعريف الناس بإلههم الحق وتعبيدهم له وتطويعهملسلطانه . . حتى إذا خلصت نفوسهم لله ؛ وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله . . عندئذ بدأت التكالف - بما فيها الشعائر التعبدية - وعندئذ بدأت عملية تنقية رواسب الجاهلية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأخلاقية والسلوكية . . بدأت في الوقت الذي يأمر الله فيطيع العباد بلا جدال . لأنهم لا يعلمون لهم خيرة فيما يأمر الله به أو ينهى عنه أيا كان !
أو بتعبير آخر : لقد بدأت الأوامر والنواهي بعد " الإسلام " . . بعد الاستسلام . . بعد أن لم يعد للمسلم في نفسه شيء . . بعد أن لم يعد يفكر في أن يكون له إلى جانب الى أمر الله رأي أو اختيار . . أو كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه : " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " تحت عنوان : " انحلت العقدة الكبرى " : " . . انحلت العقدة الكبرى . . عقدة الشرك والكفر . . فانحلت العقد كلها ؛ وجاهدهم رسول الله [ ص ] جهاده الأول ، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر أو نهي ؛ وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى ، فكان النصر حليفه في كل معركة . وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة ، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ؛ ولا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى ؛ ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى . حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم ؛ وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد إذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد . . نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم ؛ فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة ؛ وكسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة " .
ومع هذا فلم يكن تحريم الخمر وما يتصل بها من الميسر أمرا مفاجئا . . فلقد سبقت هذا التحريم القاطع مراحل وخطوات في علاج هذه التقاليد الاجتماعية المتغلغلة ، المتلبسة بعادات النفوس ومألوفاتها ، والمتلبسة كذلك ببعض الجوانب الاقتصادية وملابساتها .
لقد كانت هذه هي المرحلة الثالثة أو الرابعة في علاج مشكلة الخمر في المنهج الإسلامي :
كانت المرحلة الأولى مرحلة إطلاق سهم في الاتجاه حين قال الله سبحانه في سورة النحل المكية : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . . . ) فكانت أول ما يطرق حس المسلم من وضع السكر [ وهو المخمر ] في مقابل الرزق الحسن . . فكأنما هو شيء والرزق الحسن شيء آخر .
ثم كانت الثانية بتحريك الوجدان الديني عن طريق المنطق التشريعي في نفوس المسلمين حين نزلت التي في سورة البقرة : ( يسألونك عن الخمر والميسر . قل : فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ) . . وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأولى ما دام الاثم اكبر من النفع . إذ أنه قلما يخلو شيء من نفع ؛ ولكن حله أو حرمته إنما ترتكز على غلبة الضر أو النفع .
ثم كانت الثالثة بكسر عادة الشراب ، وإيقاع التنافر بينها وبين فريضة الصلاة حين نزلت التي في النساء ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) . . والصلاة في خمسة أوقات معظمها متقارب ؛ ولا يكفي ما بينها للسكر ثم الإفاقة . وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشراب - وخاصة عادة الصبوح في الصباح والغبوق بعد العصر أو المغرب كما كانت عادة الجاهليين - وفيه كسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي . وفيه - وهو أمر له وزنه في نفس المسلم - ذلك التناقض بين الوفاء بفريضة الصلاة في مواعيدها والوفاء بعادة الشراب في مواعيدهاثم كانت هذة الرابعة الحاسمة والأخيرة ، وقد تهيأت النفوس لها تهيؤا كاملا فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية والإذعان :
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء . فنزلت التي في البقرة : ( يسألونك عن الخمر والميسر ، قل : فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ) . فدعي عمر - رضي الله عنه - فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء ، فنزلت التي في النساء : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . . )الآية . . فدعي عمر - رضي الله عنه - فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء . فنزلت التي في المائدة : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ؛ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ ) فدعي عمر فقرئت عليه فقال : " انتهينا . انتهينا " . . [ أخرجه أصحاب السنن ] .
ولما نزلت آيات التحريم هذه ، في سنة ثلاث بعد وقعة أحد ، لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة : " ألا أيها القوم . إن الخمر قد حرمت " . . فمن كان في يده كأس حطمها ومن كان في فمه جرعة مجها ، وشقت زقاق الخمر وكسرت قنانيه . . وانتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر !
والآن ننظر في صياغة النص القرآني ؛ والمنهج الذي يتجلى فيه منهج التربية والتوجيه :
( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين )
إنه يبدأ بالنداء المألوف في هذا القطاع :
لاستجاشة قلوب المؤمنين من جهة ؛ ولتذكيرهم بمقتضى هذا الإيمان من الالتزام والطاعة من جهة أخرى . . يلي هذا النداء الموحي تقرير حاسم على سبيل القصر والحصر :
( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان . . )
فهي دنسة لا ينطبق عليها وصف " الطيبات " التي احلها الله . وهي من عمل الشيطان . والشيطان عدو الإنسان القديم ؛ ويكفي أن يعلم المؤمن أن شيئا ما من عمل الشيطان لينفر منه حسه ، وتشمئز منه نفسه ، ويجفل منه كيانه ، ويبعد عنه من خوف ويتقيه !
وفي هذه اللحظة يصدر النهي مصحوبا كذلك بالإطماع في الفلاح - وهي لمسة أخرى من لمسات الإيحاء النفسي العميق :
{ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر } وهو المسكر المتخذ من عصير العنب أو كل ما يخامر العقل ويغطيه من الأشربة . وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { والميسر } وهو القمار وعدوا منه اللعب بالجوز والكعاب { والانصاب } وهي الأصنام المنصوبة للعبادة ، وفرق بعضهم بين الأنصاب والأصنام بأن الأنصاب حجارة لم تصور كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها ، والأصنام ما صور وعبد من دون الله عز وجل { والازلام } وهي القداح وقد تقدم الكلام في ذلك على أتم وجه { رِجْسٌ } أي قذر تعاف عنه العقول ، وعن الزجاج الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح . وأصل معناه الصوت الشديد ولذا يقال للغمام رجاس لرعده والرجز بمعناه عند بعضهم/ . وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر والرجز العذاب والركس العذرة والنتن ، وإفراد الرجس مع أنه خبر عن متعدد لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير ، ومثل ذلك قوله تعالى : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 28 ] وقيل : لأنه خبر عن الخمر وخبر المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور . وقيل : لأن في الكلام مضافاً إلى تلك الأشياء وهو خبر عنه أي إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس .
وقوله سبحانه : { مِنْ عَمَلِ الشيطان } في موضع الرفع على أنه صفة { رِجْسٌ } أي كائن من عمله لأنه مسبب من تزيينه وتسويله ، وقيل : إن من للابتداء أي ناشىء من عمله . وعلى التقديرين لا ضير في جعل ذلك من العمل وإن كان ما ذكر من الأعيان . ودعوى أنه إذا قدر المضاف لم يحتج إلى ملاحظة علاقة السببية ولا إلى القول بأن من ابتدائية لا يخلو عن نظر { فاجتنبوه } أي الرجس أو جميع ما مر بتأويل ما مر أو التعاطي المقدر أو الشيطان { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي راجين فلاحكم أو لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر الكلام في ذلك ، ولقد أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بأنما وقرنا بالأصنام والأزلام وسميا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على غاية قبحهما وأمر بالاجتناب عن عينهما بناء على بعض الوجوه وجعله سبباً يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة . ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية فقال سبحانه :
قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلجون ( 90 ) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ( 91 ) وأطيعوا الله وطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا المبين } روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية عن عمر بن الخطاب أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في البقرة { يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت الآية في سورة النساء { يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنت سكارى } فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت الآية التي في المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ قول الله تعالى { فهل أنتم منتهون } قال عمر : انتهينا . وقيل في أسباب نزول الآية أقوال أخرى{[1060]} .
والخمر في اللغة يذكر ويؤنث فيقال : هو الخمر ، أو هي الخمر . وهي اسم لكل مسكر خامر العقل أي ستره وغطاه . نقول : اختمرت الخمر أي أدركت وغلت . وخمرت الشيء تخميرا أي غطيته وسترته . والخمار ما يغطي رأس المرأة . والخمرة من المخامرة أي المخالطة{[1061]} .
والخمرة واحدة من كبريات المعاصي والذنوب التي ندد بها الإسلام تنديدا وشدد عليها التشنيع والنكير . فهي أم الخبائث ومثار الخطايا والموبقات . إذ تصير بالعقل إلى الزوال لينفلت السكران بذلك من ربقة الوعي والإدراك والضبط فيتيه في عمه واضطراب وتخبط ، وهو يغمره الهذيان والحماقة . ذلك هو السكران المألوف المستخف الذي استهوته الخمرة فأسلس لها القياد فمضى تائها في زمرة المخمورين والمخبولين .
وفي التحذير من شرب الخمر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ينظر إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى " رواه النسائي عن عمر بن محمد بن محمد العمري .
وروى أحمد عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر " .
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم " لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر " .
وروى ابن ماجه أيضاً عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مدمن الخمر كعابد وثن " .
وكذلك روى ابن ماجه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعنت الخمر على عشرة أوجه : بعينها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها " .
ثمة تفصيل للعلماء في ماهية الخمرة التي حرمتها الشريعة بل أوجبت في حق شاربها الحد . والخمر هو العصير من العنب وغيره من الأشربة إذا طبخ واشتد وقذف زبده لصيرورته مسكراً .
على أن المجمع علي تحريمه هو عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده ، فهو حرام قليله وكثيره . أما ما عداه من الأشربة المسكرة فهو كذلك محرم عند أكثر العلماء سواء ما كان منه قليلاً أو كثيراً ، مصنوعاً من العنب أو غيره من سائر العصارات ، فمادام فيه علة الإسكار فهو حرام . وقد روي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ، وعائشة وأنس رضي الله عنهم . وقال به عطاء وطاووس وقتادة وعمر بن عبد العزيز . وهو قول الجمهور من المذاهب الفقهية . إذ قالت المالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية وغيرهم من أهل العلم( {[1062]} ) واحتجوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى : } إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } واسم الخمر في هذه الآية يدل بعمومه على كل مسكر كيفما كان أصله ، ما قل منه أو كثر ، فهو حرام منهي عنه ومأمور باجتنابه ؛ لأنه رجس من عمل الشيطان .
واحتجوا من السنة بجملة أخبار منها ما أخرجه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " ولفظ كل من ألفاظ الاستغراق ، لتشمل بذلك كل أصناف الأشربة المسكرة .
وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام ، وما أسكر كثيره فقليله حرام " .
وأخرج ابن ماجه أيضاً عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .
وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شراب يشربه أهل اليمن من الذرة يقال له " المزر " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أو مسكر هو ؟ " قال : نعم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال " قالوا : وما طينة الخبال ؟ قال : " عرق أهل النار أو عصارة أهل النار " .
وأخرج مسلم أيضاً عن أبي موسى الأشعري قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت : يا رسول الله إن شراباً يصنع بأرضنا ( اليمن ) يقال له المزر من الشعير وشراب يقال له البتع من العسل فقال : " كل مسكر حرام " .
إلى غير ذلك من الأخبار والآثار مما يدل على تحريم كل شراب مسكر ما قل منه أو كثر سواء كان مصنوعاً من العنب أو غيره .
لا يختلف علماء المذهب الحنفي عن غيرهم في تحريم كل مسكر من العنب ما قل منه أو كثر . لكنهم يخالفون جماهير العلماء في تحريم الأشربة أو العصارات من غير العنب ، إذ قالوا ( الحنفية ) : ما كان من عصارات من غير العنب لا يحرم إلا إذا أسكر فإن أسكر بات حراماً . وبذلك فإن الأشربة من الحنطة والذرة والشعير وغير ذلك مما سوى العنب فهو كله حلال إلا ما بلغ السكر . واحتجوا بعدة أخبار أو آثار . منها ما أخرجه أبو حنيفة في مسنده عن ابن عباس قال : " حرمت الخمر قليلها وكثيرها وما بلغ السكر من كل شراب " .
ومنها ما أخرجه البيهقي عن عائشة قالت : " اشربوا ولا تسكروا " .
ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة " وفي رواية " الخمر من هاتين الشجرتين : الكرمة والنخلة " فيستفاد من ذلك أن ما سوى عصير العنب ليس حراماً شربه إلا إذا بلغ السكر . وهو ما نظنه قولاً مرجوحاً فلا ينبغي الركون إليه لاستناده إلى أدلة طعن فيها كثير من العلماء لضعفها واضطرابها . وبذلك فإن سائر الخمور حرام مهما كان مصدرها سواء كانت من العنب أو العسل أو التمر أو الشعير أو غير ذلك من عصارات الفواكه . فما صار من العصارات مسكراً فهو حرام قليله وكثيره . وليس أدل على ذلك من حديث ابن ماجه " إن من الحنطة خمراً ، ومن الشعير خمراً ، ومن الزبيب خمراً ، ومن التمر خمراً ، ومن العسل خمراً " .
وقوله عليه الصلاة والسلام : " كل شراب أسكر فهو حرام " .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .
ويعزز ذلك أيضاً قول عمر رضي الله عنه في تعريف الخمر : " الخمر ما خامر العقل " والمخامرة تعني المخالطة والستر . فكل ما خالط العقل وستره من المسكرات سمي خمراً فهو بذلك حرام .
ولو تحولت الخمر بنفسها إلى خل فقد طهرت وحل أكلها بغير خلاف .
ولا يجوز تخليلها ، أي تصييرها خلاًّ بالمعالجة . وهو قول الجمهور من العلماء .
ودليل ذلك ما رواه أبو سعيد قال : كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنه ليتيم ؟ قال : " أهرقوه " رواه الترمذي .
وروى مسلم عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتخذ الخمر خلاًّ . قال : " لا " .
وروى أبو داود عن طلحة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً ؟ فقال : " أهرقها " قال : أفلا أخللها ؟ قال : " لا " وهذا نهي يقتضي التحريم . ولو جاز استصلاحها بالمعالجة لما جازت إراقتها لكونها بالاستصلاح مالاً . وهو لا يجوز إتلافه . فدل ذلك على أنها لا تصير بالمعالجة حلالاً .
ولو نقلت الخمر من شمس إلى ظل أو من ظل إلى شمس فتخللت من غير أن يلقي فيها شيئاً ففي إباحتها عند الشافعية والحنبلية قولان .
وذهب آخرون إلى أن الخمر تطهر إذا تخللت بالمعالجة . وهو قول الحنفية والثوري والأوزاعي والليث بن سعد ؛ وذلك لأن علة تحريمها قد زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها( {[1063]} ) .
قوله : { وَالمَيْسِرُ } عطف على الخمر . والميسر معناه القمار . وهو من اليسر بفتح الباء ، وهو اللعب بالقداح للقمار . والياسر الذي يلعب بالقداح . والياسرون الذين يتقامرون . واشتق الميسر من اليسر ؛ لأنه أخذ للمال من الرجل بيسر وسهولة . وبذلك فإن المقصود بالميسر : القمار . وهو المخاطرة بين اثنين على مال أو غيره . فأيهما قمر صاحبه أخذ ماله( {[1064]} ) .
والميسر أو القمار واحد من الأساليب الخسيسة لكسب المال حراماً . فأيما مال اكتُسب عن طريق الميسر أو المقامرة فهو حرام لا يحل لآخذه . بل إنه من جملة السحت الذي يمحق البركة من عيش المتقامرين وحياتهم ثم يفضي بهم إلى عذاب الله .
وضروب الميسر كثيرة ومختلفة ، منها اللعب بالنرد أو القداح أو الكعاب المصنوعة من الحجارة وغيرها . وكذا الشطرنج إن كان للمقامرة على المال . وغير ذلك من صور القمار أو الميسر . فهو اسم يجمع كل أنواع القمار . قال ابن سيرين ومجاهد وعطاء في ذلك : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز . والخطر ، معناه السبق الذي يتراهن عليه . نقول أخطرت المال إخطاراً أي جعلته خطراً بين المتراهنين . وخاطرته على مال ، أي راهنته عليه .
أما الشطرنج ففيه تفصيل . فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر . وقال الشافعي رحمه الله : إذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان ، والصلاة عن النسيان لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال أو مال . وهذا ليس كذلك فلا يكون قماراً ولا ميسراً .
وقيل : اللعب بالنرد والشطرنج حرام ، قماراً أو غير قمار . لأن الله قرن مطلق الميسر بالخمر وهي محرمة . وكذلك فإن اللعب بالشطرنج كالميسر في إلهائه اللاعبين به . إذ يشغل أذهانهم وبالهم ويلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة . وهو الظاهر من مذهب المالكية . قال الإمام في ذلك : الميسر ميسران : ميسر اللهو وميسر القمار . فمن ميسر اللهو : النرد والشطرنج والملاهي كلها . وميسر القمار ، ما يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر( {[1065]} ) .
قوله : { وَالأَنْصَابُ } جمع ومفرده النصب بسكون الصاد وضمها( {[1066]} ) والأنصاب هي الأصنام المنصوبة للعبادة . والفرق بينها وبين الأصنام أن الأنصاب حجارة غير مصورة كانوا يقصدونها للعبادة ويذبحون عندها . أما الأصنام فهي ما صور وعبد من دون الله .
قوله : { وَالأَزْلاَمُ } مفرده زلم بالتحريك . ويراد بها القداح أو السهام التي كانوا يستقسمون بها في الجاهلية( {[1067]} ) .
قوله : { رِجْسٌ } أي قذر تعاف منه النفوس وتشمئز منه الطبائع السليمة . أو هو ما استقذر من عمل قبيح . ويقال للنتن والعذرة رجس .
قوله : { مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } في محل رفع صفة لرجس . أي أن هذا الرجس سببه تزيين الشيطان وتسويله لابن آدم ، فهو الذي يحمله على فعله .
قوله : { فَاجْتَنِبُوهُ } أي اتركوه وارفضوه . أو اجعلوه جانباً . أو كونوا جانباً منه . وفي ذلك إيحاء بشدة النهي والتحريم ؛ لأن الأمر بالاجتناب يتضمن تكليفاً جازماً بالابتعاد عن هذه المذكورات ومجانبتها وعن مجرد الاقتراب منها لأجل مسها أو حملها .
والضمير في اجتنبوه ، يعود على الرجس . والرجس واقع على الأربعة المذكورة المنهي عنها وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام .
وقيل : عائد على الشيطان الذي يزين للناس فعل هذه المنكرات . قوله : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تدركوا النجاح والنجاة فتفوزوا عند ربكم بترككم هذه المعاصي والمنكرات واجتنابها .