{ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه ، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } . .
إن هذا يعني أن الإسلام حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يثوب ؛ وأن المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان ؛ ذلك أنه في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه ؛ فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين ؛ لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب . . وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم ! ! !
ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم في دار الإسلام . . ولكن قمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة وراء قمة . . وهذه منها . . هذه الحراسة للمشرك ، عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم هذه السنين . . هذه الحراسة له حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام !
. . إنه منهج الهداية لا منهج الإبادة ، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإسلام للإسلام . .
والذين يتحدثون عن الجهاد في الإسلام فيصمونه بأنه كان لإكراه الأفراد على الاعتقادّ ! والذين يهولهم هذا الاتهام ممن يقفون بالدين موقف الدفاع ؛ فيروحون يدفعون هذه التهمة بأن الإسلام لا يقاتل إلا دفاعا عن أهله في حدوده الإقليمية ! هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى أن يتطلعوا إلى تلك القمة العالية التي يمثلها هذا التوجيه الكريم :
( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه ، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) . .
إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون ، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه . . ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله ؛ وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله ؛ فتحول بينهم وبين الهدى ، كما تحول بينهم وبين التحرر من عبادة العبيد ؛ وتلجئهم إلى عبادة غير الله . . ومتى حطم هذه القوى ، وأزال هذه العقبات ، فالأفراد - على عقيدتهم - آمنون في كنفه ؛ يعلمهم ولا يرهبهم ويجيرهم ولا يقتلهم ؛ ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم . . هذا كله وهم يرفضون منهج الله !
وفي الأرض اليوم أنظمة ومناهج وأوضاع من صنع العبيد ؛ لا يأمن فيها من يخالفها من البشر على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه ولا على حرمة واحدة من حرمات الإنسان ! ثم يقف ناس يرون هذا في واقع البشر وهم يتمتمون ويجمجمون لدفع الاتهام الكاذب عن منهج الله بتشويه هذا المنهج وإحالته إلى محاولة هازلة قوامها الكلام في وجه السيف والمدفع في هذا الزمان وفي كل زمان !
{ وَإِنْ أَحَدٌ } شروع في بيان حكم المتصدين لمبادي التوبة من سماع كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين اثر بيان حكم التائبين عن الكفر والمصرين عليه ، وفيه إزاحة ما عسى يتوهم من قوله سبحانه : { فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] إذ الحجة قد قامت عليهم وأن ما ذكره عليه الصلاة والسلام قبل من الدلائل والبينات كاف في إزالة عذرهم بطلبهم للدليل لا يلتفت إليه بعد و { ءانٍ } شرطية والاسم مرفوع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء ومن زعم ذلك فقد أخطأ كما قال الزجاج لأن إن لكونها تعمل العمل المختص بالفعل لفظاً أو محلا مختصة به فلا يصح دخولها على الاسماء أن وإن استجارك أحد { مّنَ المشركين استجارك } أي استأمنك وطلب مجاورتك بعد انقضاء الأجل المضروب { فَأَجِرْهُ } أي فآمنه { حتى يَسْمَعَ * كلام الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة ، والمراد بكلام الله تعالى الآيات المشتملة على ما يدل على التوحيد ونفي الشبه والشبيه ، وقيل : سورة براءة ، وقيل : جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه ، و { حتى } للتعليل متعلقة بما عندها ، وليست الآية من التنازع على ما صرح به الفاضل ابن العادل حيث قال : ولا يجوز ذلك عند الجمهور لأمر لفظي صناعي لأنا لو جعلناها من ذلك الباب واعلمنا الأول أعني استجارك لزم إثبات الممتنع عندهم وهو إعمال حتى في الضمير فانهم قالوا : لا يرتكب ذلك إلا في الضرورة كما في قوله :
فلا والله لا يلفي أناس *** فتى حتاك يا ابن أبي زياد
ضرورة أن القائلين بأعمال الثاني يجوزن إعمال الأول المستدعى لما ذكر سيما على مذهب الكوفيين المبني على رجحان إعماله ومن جوز إعماله في الضمير يصح ذلك عنده لعدم المحذور حينئذ ، ويفهم ظاهر كلام بعض الأفاضل جواز التعلق باستجارك حيث قال : لا داعي لتعلقه بأجره سوى الظن أنه يلزم أن يكون التقدير على تقدير التعلق بالأول وإن أحد من المشركين استجارك حتى يسمع كلام الله فأجره حتاه أي حتى السمع وهل يقول عاقل بتوقف تمام قولك إن استأمنك زيد لأمر كذا فآمنه على أن تقول لذلك الأمر كلا فرضنا الاحتياج ولزوم التقدير ولكن ما الموجب لتقدير حتاه الممتنع في غير الضرورة ولم لا يجوز أن يقدر لذلك أوله أو حتى يسمعه أو غير ذلك مما في معناه ، وقال آخر : إن لزوم الاضمار الممتنع على تقدير إعمال الأول لا يعين إعمال الثاني فلا يخرج التركيب من باب التنازع بل يعدل حينئد إلى الحذف فإن تعذر أيضاً ذكر مظهراً كما يستفاد من كلام نجم الأئمة وغيره من المحققين .
وقد يقال : إن المانع من كونه من باب التنازع انه ليس المقصود تعليل الاستجارة بما ذكر كما أن المقصود تعليل الاجارة به . نعم قال شيخ الاسلام ان تعق الإجارة بسماع كلام الله تعالى يستلزم تعلق الاستجارة أيضاً بذلك أو ما في معناه من أمور الدين ، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه انه أتاه رجل من المشركين فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله تعالى أو لحاجة قتل قال : لا . لأن الله تعالى يقول : و { ءانٍ * أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } الخ فالمراد بما فيه من الحاجة هي الحاجة المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات الدنيوية كما ينبىء عنه قوله أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم فإن من يأتيه عليه الصلاة والسلام إنما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين انتهى ، لكنه ليس بشيء لأن الظاهر من كلام ذلك القائل العموم فيكون جواب الأمير كرم الله تعالى وجهه مؤيداً لما قلناه . ويرد على قوله قدس سره أن يأتيه عليه الصلاة والسلام انما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين منع ظاهر فلا يتم بناء الانباء ، وجوز غير واحد كون حتى للغاية والخبر المذكور وجزالة المعنى يشهدان بكونها للتعليل بل قال المولى سرى الدين المصري : إن جعلها للغاية يأباه قوله تعالى : { ثُمَّ أَبْلِغْهُ } بعد سماعه وكلام الله تعالى إن لم يؤمن { مَأْمَنَهُ } أي مسكنه الذي يأمن فيه أوموضع أمنه وهو ديار قومه على أن المأمن اسم مكان أو مصدر بتقدير مضاف والأول أولى لسلامته من مؤنة التقدير ، والجملة الشرطية على ما بينه في «الكشف » عطف على قوله سبحانه : { فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] ولا حجة في الآية للمعتزلة على نفي الكلام النفي لأن السماع قد ينسب إليه باعتبار الدال عليه أو يقال : إن الكلام معقول بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز على الكلام النفسي والكلام اللفظي ولا يلزم من تعين أحدهما في مقام نفي ثبوت الآثر في نفس الأمر ، وقد تقدم في المقدمات من الكلام ما يتعلق بهذا المقام فتذكر { ذلك } أي الأمن أو الأمر { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوهم إليه أو قوم جهلة فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا ذلك ولا يبقى لهم معذرة أصلاً ، والآية كما قال الحسن محكمة .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] وروى ذلك عن السدي . والضحاك أيضاً وما قاله الحسن أحسن ، واختلف في مقدار مدة الإمهال فقيل : أربعة أشهر وذكر النيسابوري أنه الصحيح من مذهب الشافعي ، وقيل : مفوض إلى رأي الإمام ولعله الأشبه .
قوله تعالى : { وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } { أحد } ، فاعل لا مبتدأ ، مرفوع بفعل مقدر دل عليه الظاهر . وتقديره : وإن استجارك أحد من المشركين استجارك ؛ لأن ( إن ) الشرطية تقتضي الفعل{[1726]} . واستجارك أي سألك جوارك ، والجوار معناه الأمان والذمام والعهد{[1727]} . وكلام الله يراد به القرآن . فيكون المعنى : إذا استأمنت ، أو طلب منك الأمان والذمام أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع منك القرآن عسى أن يعلمه ويتعظ به ، فإن آمن به وصدق فحسن ، وإن أبي ولم يتعظ مما سمعه منك ؛ فرده إلى مأمنه حيث يقيم ويأمن ؛ وهو أن يلحق بداره وقومه من المشركين .
على أن ذلك فيمن يأتي المسلمين مبتغيا سماع القرآن والوقوف على منهج الاسلام وتعاليمه . أما الذي يأتي للتجارة أو مصالحه الأخرى فللمسلمين أن ينظروا في إجارته أو عدمها تبعا لما تقتضيه مصلحهم{[1728]} .
ويستوقفنا مثل هذا المعنى حواه القرآن الحكيم ، إذ يوجب أن تعطي الفرصة كاملة للمشركين والضالين كيما يستمعوا إلى رسالة الإسلام استماعا مباشرا وعن كثب من أجل أن تطرق أسماعهم وأفئدتهم حقائق هذا الدين الكريم المفضل بما يحمله للبشرية من معالم رصينة في الأخوة والرحمة والمنطق السليم ، وقواعد ثوابت في الحق والخير والعدل . ومقتضى ذلك : أن الكافر المرتاب الذي يتيه في جهالته المطبقة للإسلام والذي تحيط به المعوقات والفتن والشبهات المصطنعة والمفتراة على الإسلام –إذا جاء يطلب الحجة من المسلمين على حقيقة دينهم وصدق رسالتهم ، قبلوه وعرضوا عليه منهج الإسلام بعقيدته السمحة المرغوبة ، وشرعه المتكامل الميسور ، وتصوره المحبب الرائع الذي يتفق وفطرة البشر وطبائع الناس وينسجم وطبيعة هذا الكون الرتيب المتسق . لا جرم أن ذلك برهان ساطع على تكريم الإسلام للإنسان مسلما أو غير مسلم . وتكريم الإنسان المسلم معلوم في تصور الإسلام . وفي تشريعه الكبير . وكذلك غير المسلم ؛ فإن الإسلام يحقق له من الأسباب والذرائع الحسية والذهنية ما يفضي إلى إقناعه في حرية موفورة وتودد بالغ ، ويكشف اللبس والشبهات عن ذهنه وبصيرته بالحجة الواعية الكافية والمجادلة الحكيمة المستفيضة حتى يستيقن غير المسلم روعة هذا الدين وأنه الحق المبين المنزل من عند الله هداية الناس كافة .
من أجل ذلك شرع الأمان للمشركين في كل الأحوال كيما يتمكنوا من الدخول على المسلمين فيتعلموا منهم حقيقة هذا الدين عسى أن يهتدوا . على أن الأمان من حيث إعطاؤه يناط بكل واحد من آحاد المسلمين سواء كان رئيسا أو مرؤوسا ، ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا . فأيما مسلم يجوز له أن يعطي الأمان لأحد المشركين ليلج عليه فيوفقه على مزايا هذا الدين وتعاليمه .
قال صاحب الكشاف . وهذا الحكم ثابت إلى ثوم القيامة . قال الحسن البصري : هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة .
قوله : { ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } ذلك عائد إلى الإجازة ؛ أي ذلك الأمر بإجارة المشركين كان بسبب كونهم جهلة لا يعلمون عن الإسلام شيئا ، أو يعلمون عنه ظاهرا مصطنعا من المفاهيم المشوهة والأخبار الملفقة تلفيقا . أما حقيقة الإسلام بنصوعه وروعة نظامه الرحيم الشامل ؛ فلا يدرك منه المشركون شيئا{[1729]} .