ثم ينتقل بهم من مشاهد الكون إلى خاصة أنفسهم :
( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ، ويجعلكم خلفاء الأرض ? أإله مع الله ? قليلا ما تذكرون ) . .
فيلمس وجدانهم وهو يذكرهم بخوالج أنفسهم ، وواقع أحوالهم .
فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة ، وتشتد الخنقة ، وتتخاذل القوى ، وتتهاوى الأسناد ؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص . لا قوته ، ولا قوة في الأرض تنجده . وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى . . في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة ، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء . فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه . هو وحده دون سواه . يجيبه ويكشف عنه السوء ، ويرده إلى الأمن والسلامة ، وينجييه من الضيقة الآخذة بالخناق .
والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء ، وفترات الغفلة . يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة . فأما حين تلجئهم الشدة ، ويضطرهم الكرب ، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة ، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين .
والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم ، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل . حقائق خلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء ، وإنبات الحدائق البهيجة ، وجعل الأرض قرارا ، والجبال رواسي ، وإجراء الأنهار ، والحاجز بين البحرين . فالتجاء المضطر إلى الله ، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق . هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء .
ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) . .
فمن يجعل الناس خلفاء الأرض ? أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا . ثم جعلهم قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء ?
أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض ، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها ، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى . النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا ؛ والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروفالمساعدة للحياة . ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا .
وأخيرا أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة ، واستخلف جيلا بعد جيل ؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين ؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير ، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات ، وتجدد أنماط الحياة ، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور . فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض ! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الأمام !
إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق . فمن الذي حقق وجودها وأنشأها ? من ?
إنهم لينسون ويغفلون هذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس ، مشهودة في واقع الحياة :
ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا بالله صلة الفطرة الأولى . ولما غفل عن ربه ، ولا أشرك به أحدا .
{ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } وهو الذي أحوجته شدة من الشدائد وألجأته إلى اللجاء والضراعة إلى الله عز وجل ، فهو اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة ، ويرجع إلى هذا تفسير ابن عباس له بالمجهود ، وتفسير السدي بالذي لا حول ولا قوة له ، وقيل : المراد بذلك المذنب إذا استغفر ، واللام فيه على ما قيل : للجنس لا للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر وكم من مضطر لإيجاب .
وجوز حمله على الاستغراق لكن الإجابة مقيدة بالمشيئة كما وقع ذلك في قوله تعالى : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } [ الأنعام : 41 ] ومع هذا كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الشخص : اللهم اغفر لي إن شئت ؛ وقال عليه الصلاة والسلام : " إنه سبحانه لا مكره له " ، والمعتزلة يقيدونها بالعلم بالمصلحة لإيجابهم رعاية المصالح عليه جل وعلا ، وقال «صاحب الفرائد » : ما من مضطر دعا إلا أجيب وأعيد نفع دعائه إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة ، وذلك أن الدعاء طلب شيء فإن لم يعط ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده اه .
وظاهره حمله على الاستغراق من دون تقييد للإجابة ، ولا يخفى أنه إذا فرت الإجابة بإعطاء السائل ما سأله حسبما سأل لا بقطع سؤاله سوا أكان بالإعطاء المذكور أم بغيره لم يستقم ما ذكره ، وقال العلامة الطيبي : التعريف للعهد لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله تعالى : { وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء } والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجأون إلى الله تعالى دون الشركاء والأصنام ، ويدل على التنبيه قوله تعالى : { مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن } قال «صاحب المفتاح » : كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله تعالى دون أصنامهم ، فالمعنى إذا حزبكم أمر أو قارعة من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة من يحيبكم إلى كشفها ويجعلكم بعد ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء { مَّعَ الله بَلْ } فلا يكون المضطر عاماً ولا الدعاء فإنه مخصوص بمثل قضية الفلك ، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ] الآية اه .
/ وأنت تعلم أنه بعيد غاية البعد ، ولعل الأولى الحمل على الجنس والتقييد بالمشيئة وهو سبحان لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ، والدعاء بشيء من قبيل أحد الأسباب العادية له فافهم { وَيَكْشِفُ السوء } أي يرفع عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه ، وقيل : الكشف أعم من الدفع والرفع ، وعطف هذه الجملة على ما قبلها من قبيل عطف العالم على الخاص ، وقيل : المعنى ويكشف سوءه أي المضطر ، أو ويكشف عنه السوء والعطف من قيل عطف التفسير فإن إجابة المضطر هي كشف السوء عنه الذي صار مضطراً بسببه وهو كما ترى .
{ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الارض } أي خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها بعدهم ، وقيل : المراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرأ الحسن . ونجعلكم . بنون العظمة { أَنَّ مَعَ الله } الذي هذه شؤونه ونعمه تعالى : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً ، أو زماناً قليلاً تتذكرون فقليلا نصب على المصدرية ، أو على الظرفية لأنه صفة مصدر أو ظرف مقدر ، و ما مزيدة على التقديرين لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم ، أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى ، ومفعول { تَذَكَّرُونَ } محذوف للفاصلة ، فقيل : التقدير تذكرون نعمه ، وقيل : تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام ، وقيل : تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور ، ولعل الأولى نعمه المذكورة ، وللإيذان بأن المتذكر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه كان التذييل بنفي التذكر ، وقرأ الحسن . والأعمش . وأبو عمرو يذكرون بياء الغيبة ، وقرأ أبو حيوة تتذكرون بتاءين .
ومن باب الاشارة : { أَم مَّنْ يُجِيبُ المضطر } وهو المستعد لشيء من الأشياء { إِذَا دَعَاهُ } [ النمل : 62 ] بلسان الاستعداد وطلب منه تعالى ما استعد له ، وقال بعضهم : المضطر المستغرق في بحار شوقه تعالى
أي : هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده ؟ ومن يكشف السوء أي : البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده ؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض يمكنكم منها ويمد لكم بالرزق ويوصل إليكم نعمه وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم أإله مع الله يفعل هذه الأفعال ؟ لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك حتى بإقراركم أيها المشركون ، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته ، { قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } أي : قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادَّكرتم ورجعتم إلى الهدى ، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم فلذلك ما ارعويتم ولا اهتديتم .