ولكن ضميرا واحدا فيهم ، يرتعش لهول ما هم مقدمون عليه . فيقترح حلا يريحهم من يوسف ، ويخلي لهم وجه أبيهم ، ولكنه لا يقتل يوسف ، ولا يلقيه في أرض مهجورة يغلب فيها الهلاك . إنما يلقيه في الجب على طريق القوافل ، حيث يرجح أن تعثر عليه إحدى القوافل فتنقذه وتذهب به بعيدا :
( قال قائل منهم : لا تقتلوا يوسف ، وألقوه في غيابة الجب ، يلتقطه بعض السيارة . إن كنتم فاعلين ) . .
روح التشكيك والتثبيط . كأنه يشككهم في أنهم مصرون على إبقاع الأذى بيوسف . وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل ، واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ . ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم ؛ ولم يكونوا على استعداد للتراجع فما اعتزموه . . نفهم هذا من المشهد التالي في السياق . .
{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو وكان رأيه فيه أهون شراً من رأى غيره وهو القائل : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } [ يوسف : 80 ] الخ قاله السدى .
وقال قتادة ، وابن إسحق : هو روبيل ، وعن مجاهد أنه شمعون ، وقيل : دان ، وقال بعضهم : إن أحد هذين هو القائل : { اقتلوا يُوسُفَ } الخ ، وأما القائل : { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } [ يوسف : 9 ] فغيره ، ولعل الأصح أنه يهوذا .
قيل : وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه ستراً على المسيءوكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها ، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحداً منهم باسمه تأسياً بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد ؟ فقيل : قال قائل منهم : { لاَ تَقْتُلُواْ } الخ ، والاتيان بيوسف دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو مانه يروى أنه قال لهم : القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى ، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله : { وَأَلْقُوهُ في * غَيَابَةِ الجب } أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر ، ومنه قيل للقبر : غيابة ، قال المنخل السعدي :
إذا أنا يوماً غيبتني ( غيابتي ) *** فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
وقال الهروي : الغيابة في الجب شبه كهف . أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون ، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعمش :
لئن كنت في جب ثمانين قامة *** ورقيت أسباب السماء بسلم
ويجمع على جبب . وجباب . وأجباب ، وسمي جباً لأنه جب من الأرض أي قطع ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى الكلام فيتأنيثه وتذكيره .
وقرى نافع في غيابات في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات ، ففيه إشارة إلى سعتها ، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب ، وقرأ ابن هرمز غيابات بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة ، ووزنه على ما نقل صاحب اللوامح يجوز أن يكون فعالات كحمامات ، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة ، وقرأ الحسن غيبة بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة ، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة ، وفي حرف أبيّ رضي الله تعالى عنه غيبة بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب .
{ يَلْتَقِطْهُ } أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فان الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل ، وفي مجمع البيان هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه ، ومنه قوله :
{ بَعْضُ السيارة } أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما ، وفي البعض من الابهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائى يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدري أثره ولا يروى خبره ، وقرأ الحسن تلتقطه على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله :
إذا بعض السنين ( تعرفتنا ) *** كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث كقوله :
كما شرقت صدر القناة من الدم *** { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه الخ ، ولم يبت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفاً لقلوبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من سوء ظنهم به ؛ ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول : فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا ؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما شيجيى إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه : { وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } [ يوسف : 15 ]
وقوله - سبحانه - { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } بيان للرأى الذي اقترحه أحدهم ، واستقر عليه أمرهم .
قال القرطبى ما ملخصه : قوله { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب } قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة " في غيابة الجب " بالإِفراد - وقرأ أهل المدينة " في غيابات الجب " - بالجمع- .
وكل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة - قال الشاعر :
فإن أنا يوما غيبتنى غيابتى . . . فسيروا بسيرى في العشيرة والاهل
والجب : الركية - أى الحفرة - التي لم تطو - أى لم بتن بالحجارة - فإذا طويت فهى بئر . وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا . وجمع الجب جببه وجباب وأجباب .
وجمع بين الغيابة والجبن ، لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين . . .
والسيارة : جمع سيار ، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون في السير ليصلوا إلى مقصودهم .
والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفرزعه ما هم مقدمون علهي بشأن أخيهم الصغير : لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه في قعر الجب حيث يغيب خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم .
ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل " يهوذا "
والفائدة في وصفه بأنه منهم ، الإِخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه في أرض بعيدة حتى يدركه الموت .
وأتى باسم يوسف دون ضميره ، لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام أمر قتله .
وجواب الشرط في قوله { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } محذوف لدلالة " وألقوه " عليه .
والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه في غيابة الجب ، ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا .
وفى هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى .
قالوا : وفى هذا الرأى عبرة في الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم . وهذا الإِبعاد يتم عن طريق إلقائه في غيابة الجب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.