في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

28

( هنالك الولاية لله الحق ، هو خير ثوابا وخير عقبا ) . .

وثوابه هو خير الثواب ، وما يبقى عنده للمرء من خير فهو خير ما يتبقى : ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها ، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفا وندما ، وجلال الله يظلل الموقف ، حيث تتوارى قدرة الإنسان . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

{ هُنَالِكَ } أي في ذلك المقام وتلك الحال التي وقع فيها الإهلاك { الولاية لِلَّهِ الحق } أي النصرة له تعالى وحده لا يقدر عليها أحد فالجملة تقرير وتأكيد لقوله تعالى : { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } [ الكهف : 43 ] الخ ، أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر سبحانه بما فعل بالكافر أخاه المؤمن فالولاية بمعنى النصرة على الوجهين إلا أنها على الأول مطلقة أو مقيدة بالمضطر ومن وقع به الهلاك وعلى هذا مقيدة بغير المضطر وهم المؤمنون ، ويعضد أن المراد نصرتهم قوله تعالى : { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي عاقبه لأوليائه ، ووجه ذلك أن الآية ختمت بحال الأولياء فيناسب أن يكون ابتداؤها كذلك .

وقرأ الأخوان . والأعمش . وابن وثاب . وشيبة . وابن غرزوان عن طلحة . وخلف . وابن سعدان . وابن عيسى الأصبهاني . وابن جرير { الولاية } بكسر الواو وهي الولاية بالفتح بمعنى واحد عند بعض أهل اللغة كالوكالة والوكالة والوصاية والوصاية ، وقال الزمخشري : هي بالفتح النصرة والتولي بالكسر السلطان والملك أي هنالك السلطان له عز وجل لا يغلب ولا يمتنع منه ولا يعبد غيره كقوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُواْ في الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت : 65 ] فتكون الجملة تنبيهاً على أن قوله : { يا ليتنى لَمْ أُشْرِكْ } [ الكهف : 42 ] الخ كان عن اضطرار وجزع عمادهاه ولم يكن عن ندم وتوبة ، وحكى عن أبي عمرو . والأصمعي أنهما قالا : إن كسر الواو لحن هنا لأن فعالة إنما تجيء فيما كان صنعة ومعنى متقلداً كالكتابة والإمارة والخلافة وليس هنا تولي أمر إنما هي الولاية بالفتح بمعنى الدين بالكسر ولا يعول على ذلك .

واستظهر أبو حيان كون { هُنَالِكَ } إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله الحق ويناسب قوله تعالى : { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } ويكون كقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] والظاهر على جميع ذلك أن الوقف على { مُنْتَصِراً } [ الكهف : 43 ] وقوله تعالى : { هُنَالِكَ } الخ ابتداء كلام ، وحينئذ فالولاية مبتدأ و { لِلَّهِ } الخبر والظرف معمول الاستقرار والجملة مفيدة للحصر لتعريف المسند إليه واقتران الخبر بلام الاختصاص كما قرر في { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الفاتحة : 2 ] وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون { هُنَالِكَ } خبر { الولاية } أو الولاية مرفوعة به و { لِلَّهِ } يتعلق بالظرف أو بالعامل فيه أبو بالولاية ، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً منها .

وقال بعضهم : إن الظرف متعلق بمنتصراً والإشارة إلى الدار الآخرة ، والمراد الإخبار بنفي أن ينتصر في الآخرة بعد نفي أن تكون له فئة تنصره في الدنيا . والزجاج جعله متعلقاً يمنتصراً أيضاً إلا أنه قال : وما كان منتصراً في تلك الحالة ، و { الحق } نعت للاسم الجيل .

وقرأ الاخوان . وحميد . والأعمش . وابن أبي ليلى . وابن منذر . واليزيدي . وابن عيسى الأصبهاني { الحق } بالرفع على أنه صفة { الولاية } وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي أو هو الحق وأن يكون مبتدأ وهو خبره . وقرأ أبي { هُنَالِكَ الولاية * الحق لِلَّهِ } بتقديم { الحق } ورفعه وهو يرجح كون { الحق } نعتاً للولاية في القراءة السابقة .

وقرأ أبو حيوة . وزيد بن علي . وعمرو بن عبيد . وابن أبي عبلة . وأبو السمال . ويعقوب عن عصمة عن أبي عمرو { الحق } بالنصب على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة والناصب له عامل مقدر كما في قولك : هذا عبد الله حقاً ، ويحتمل أنه نعت مقطوع .

وقرأ الحسن . والأعمش . وحمزة . وعاصم . وخلف { عُقْبًا } بسكون القاف والتنوين ، وعن عاصم { عقبى } بألف التأنيث المقصور على وزن رجعي ، والجمهور بضم القاف والتنوين ؛ والمعنى في الكل ما تقدم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا } قال ابن عطاء : للطالبين له سبحانه لا للجنة { وَخَيْرٌ عُقْبًا } [ الكهف : 44 ] للمريدين

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

وقوله - سبحانه - : { هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق . . } تقرير وتأكيد للآية السابقة . ولفظ هنالك ظرف مكان .

وكلمة { الولاية } قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة { الحق } بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة .

فيكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس ، لله - تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه - { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } ويجوز أن يكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله - تعالى - وحده . فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم . كما قال - سبحانه - { ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } وقرأ حمزة والكسائى : { الولاية } بكسر الواو ، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ { الحق } بالرفع على أنه نعت للولاية .

فيكون المعنى : فى ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله رب العالمين ، كما قال - سبحانه - : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً } قال بعض العلماء : وقوله { هنالك } يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف تام على قوله { وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } .

ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله .

فعلى القول الأول يكون الظرف { هنالك } عامله ما بعده أى : الولاية كائنة لله هنالك .

وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف اسم الفاعل الذى هو { منتصرا } . أى : لم يكن انتصاره واقعا هنالك .

وقوله - سبحانه - : { وَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً } أى : هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء لأوليائه ، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .

وعاقبة الأمر : آخره وما يصير إليه منتهاه . و { ثوابا } و { عقبا } منصوبان على التمييز ، بعد صيغة التفضيل { خير } التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك - رحمه الله - :